بقلم الدكتور يونس الديدي*
انطلاقا من صراع إقليمي محتدم، تتشابك فيه المصالح الدولية مع خذلان عربي يزداد وضوحًا، يبرز اليمن كجبهة متماسكة عصيّة على الإخضاع، متمسكًا بخصوصيته التاريخية وهويته المقاومة. هذه الخصوصية ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لتاريخ طويل من التحدي، جعل من اليمن أرضًا لا تُروض بسهولة. في قلب هذا المشهد، تتجلى حركة أنصار الله، ليس كتنظيم عسكري فحسب، بل كظاهرة وجدانية تحمل في جوهرها مزيجًا من العقيدة الدينية والهوية القومية، لتصوغ معادلة مختلفة في ميزان القوى الإقليمي.
إصرار هذه الحركة لا ينبع من اعتبارات سياسية ضيقة أو تحالفات آنية، بل من قناعة راسخة بأن المعركة ضد الاحتلال الصهيوني ليست خيارًا سياسيًا، بل واجبًا وجوديًا. لذلك، حين سكتت العواصم، وتراجعت معظم القوى العربية إلى بيانات باردة، أصرّ اليمنيون على رفع صوتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، مترجمين الموقف إلى فعل ملموس، يربط بين صنعاء وغزة في خندق واحد.
معركة اليمن ليست دفاعًا عن فلسطين فقط، بل عن فكرة العدالة التي يعتقدون أنها تتجاوز حدودهم الجغرافية. البحر الأحمر بالنسبة لهم ليس مجرد ممر تجاري، بل ساحة اشتباك، ووسيلة للضغط الاستراتيجي على خصم يعتبرونه أصل كل الشرور في المنطقة. لذلك، فإن حضورهم في هذه الساحة ليس تعبيرًا عن تهور عسكري، بل عن رؤية استراتيجية مدروسة، ترى في الانخراط المباشر جزءًا من معركة الوجود التي يخوضونها منذ عقود.
التخلي العربي وصوت صنعاء المرتفع
حين اشتعلت نيران غزة عام 2023، انكفأ معظم العرب إلى صمت بارد، مكتفين ببيانات الإنكار الدبلوماسي. لكن اليمن، المثخن بجراح حربه الداخلية، قرر أن يتحدث بدمه لا بكلماته. أنصار الله أطلقوا الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو العمق الإسرائيلي، وأعادوا توجيه البوصلة إلى القضية الأم: فلسطين. لم يكن الأمر مجرد رد فعل، بل إعلانًا صارخًا بأن اليمن لن يقف متفرجًا، حتى لو تخلى الآخرون.
كما يشير تقرير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فقد تحوّلت الحركة إلى جزء أصيل من “محور المقاومة” الذي يضم إيران، حزب الله، وحركات فلسطينية مسلحة. فأنصار الله اليوم لا يكتفون بالشعارات، بل يترجمون موقفهم بعمليات مؤثرة في البحر الأحمر تستهدف السفن المرتبطة بالاحتلال، في محاولة لتقويض اقتصاده وشلّ شرايين تجارته.
دماء الشهداء تكتب المعادلة الجديدة
التحركات لم تمر دون ثمن. في واحدة من أجرأ العمليات، أقدمت إسرائيل على اغتيال رئيس وزراء حكومة صنعاء وعدد من وزرائها بغارة جوية. ظنّ الكيان أن ضربة كهذه ستكسر العزيمة وتشتت الصفوف. لكن الرد كان صاعقًا، ليس فقط في التصريحات، بل في الميدان. محمد البخيتي، أحد أبرز قادة أنصار الله، أعلن بوضوح: “الكلمات لا تخيفنا، والغدر لن يوقفنا”، متوعدًا بما وصفه بـ“أيام سوداء” للاحتلال.
هذه الاغتيالات لم تقتل الفكرة، بل أججت الروح. في الثقافة اليمنية المقاومة، الدماء لا تُسقط القضية، بل ترفعها إلى مصاف القداسة. لهذا، من يقرأ المشهد من منظور تكتيكي بحت، يغفل الحقيقة الأعمق: لا يمكن اغتيال ما أصبح جزءًا من الهوية الوجودية لشعب بأكمله.
لماذا يخشى الاحتلال اليمن أكثر من السلاح؟
الخطر الأكبر ليس الصواريخ ولا الطائرات المسيّرة، رغم قدرتها على تهديد الممرات البحرية الحيوية. ما يرعب إسرائيل فعلاً هو ما يختبئ خلف هذه القدرات: ثقافة مقاومة متجذرة في وعي جماعي، تشربت من تراثها الإيماني والعروبي قناعة أن المعركة مع الكيان ليست معركة تضامن، بل معركة مصير.
فاليمنيون، رغم ظروفهم الاقتصادية المأساوية، يرون في فلسطين جزءًا من هويتهم العقائدية، لا ورقة سياسية قابلة للمساومة. في المقابل، يخوض الاحتلال المعركة بعقلية تقنية، يراهن فيها على الاغتيالات والحصار. لكن كيف يمكن قتل فكرة تحولت إلى عقيدة شعبية؟
اليمنيون وحرب الوجود
تقول دراسات أميركية، منها تقرير لـMarine Corps University Journal، إن دوافع الحوثيين تتجاوز البعد الإقليمي، إذ ينظرون إلى البحر الأحمر كساحة اختبار لإثبات الوجود وفرض اليمن كلاعب إقليمي مستقل، حتى ولو كلّفهم ذلك حربًا مفتوحة. هذه الحرب بالنسبة لهم ليست خيارًا سياسيًا، بل امتداد لفريضة عقائدية تستند إلى موروث إيماني يرى في مقاومة “الظلم” واجبًا دينيًا.
الخاتمة: اغتيال القادة ممكن… لكن لا تُغتال الشجاعة
ربما تستطيع إسرائيل أن تضرب صنعاء، أن تغتال وزراء ورئيس حكومة. لكنها لن تستطيع قتل الشجاعة اليمنية. هذه الحقيقة هي ما يجعل اليمن ليس مجرد ساحة صراع، بل عقدة في معادلة الإقليم. فالحوثيون، مهما اختلفت حولهم القراءات، نجحوا في إعادة تعريف المقاومة من كونها تكتيكًا إلى كونها هوية.
اليمن اليوم لا يقاتل دفاعًا عن غزة فقط، بل عن فكرة أن الكرامة لا تُشترى، وأن المقاومة ليست خيارًا طارئًا، بل مسارًا ينسجم مع قيم دينية وإنسانية وعروبية. في زمن الخذلان، يكتب اليمنيون معادلة جديدة بدمائهم: قد تسقط الأجساد، لكن لن تسقط الفكرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور يونس الديدي – كاتب صحفي، محاضر وأستاذ جامعي، باحث في الشؤون السياسية.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
