بقلم الدكتور يونس الديدي*
بالرغم من الدروس الثقيلة التي قدمتها السنوات الطويلة من التعامل مع السياسة الأمريكية، يبدو أن بعض القادة العرب ما زالوا يتعاملون مع وعود ترامب بتفاؤل عجيب، وكأن التاريخ لم يعلّمهم شيئًا.
هنا، لا تُقاس الأقوال بالصدق الأخلاقي، بل بالفاعلية والنتائج التي تحققها على أرض الواقع. العلاقات الأمريكية-العربية تمثل نموذجًا صارخًا لهذه اللعبة المعقدة، حيث تتعانق الوعود الدبلوماسية مع المصالح الاقتصادية والأمنية في معادلة براغماتية صارمة. لكل إدارة أمريكية قصتها الخاصة، لكن ثمة خيط مشترك يربط بينها: البحث عن تفوق استراتيجي في منطقة تمثل عقدة أمنية وجيوسياسية حاسمة. في هذا السياق، يطرح السؤال نفسه: هل تكذب الولايات المتحدة على العرب، أم أن القادة العرب أنفسهم يختارون تصديق وعود لا تلبث أن تتلاشى أمام مصالح أكبر؟ وما الذي يدفع إلى استمرار هذه الدورة من الأمل والخداع في عالم أصبح متعدد الأقطاب، ومعقد أكثر من أي وقت مضى.
السياسة الأمريكية: مصالح فوق المبادئ
تُظهر السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عقود تحولًا واضحًا نحو البراغماتية الصارمة، حيث لم تعد القيم الأخلاقية أو المبادئ مجرد معيار لاتخاذ القرار، بل أصبحت أداة ثانوية تُستثمر فقط حين تتوافق مع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية للولايات المتحدة. على أرض الواقع، هذا التحول يتجلى بوضوح في سياسات إدارة ترامب، التي عملت على إعادة تعريف العلاقة مع دول الخليج، ليس من منطلق تعزيز الاستقرار أو حماية الحقوق، بل عبر فتح أسواق جديدة للمنتجات الأمريكية، وتعزيز التعاون التكنولوجي والعسكري وفق مصالح أمريكية محضة. في هذا الإطار، تحولت العلاقات الأمريكية من النمط التقليدي القائم على التدخل العسكري المباشر، إلى نموذج أكثر دقة في استثمار النفوذ الاقتصادي والسياسي كأداة ضغط وتحكيم.
ومع ذلك، يظل هذا النموذج محفوفًا بالازدواجية والمفارقات. فالوعود التي تُطرح على طاولة القادة العرب غالبًا ما تكون مغرية على المستوى الظاهر، لكنها تتناقض مع الوقائع على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالدعم الأمريكي لإسرائيل. هنا تظهر الحقيقة القاسية: المصالح الأمريكية تتجاوز كل اعتبارات العدالة أو التوازن الإقليمي، حيث يتم التعامل مع الاتفاقيات والوعود كأدوات لحفظ التفوق الاستراتيجي، وليس لتحقيق استقرار حقيقي للمنطقة أو حماية حقوق الشعوب. هذا المزيج من البراغماتية المطلقة والتناقض الواضح بين الأقوال والأفعال يجعل من كل وعد أمريكي اختبارًا دقيقًا لقدرة القادة العرب على قراءة الواقع وتقييم النوايا الخفية وراء الخطاب الدبلوماسي.
هل يصدق العرب الوعود الأمريكية؟
بالرغم من الدروس الثقيلة التي قدمتها السنوات الطويلة من التجربة مع السياسة الأمريكية، يبدو أن بعض القادة العرب ما زالوا يتعاملون مع الوعود الأمريكية بتفاؤل لا حدود له، وكأن التاريخ لم يعلّمهم شيئًا. قد يُفسّر هذا التفاؤل بأنه انعكاس لحاجة ماسة إلى الدعم العسكري والاقتصادي، لكن الواقع أكثر مرارة: فهو يعكس أحيانًا ميلًا مستمرًا لتجميل الواقع وشراء وهم الوعود الأمريكية، وكأن كل خطة أو بيان أو مؤتمر صحفي يمكن أن يغير المعادلة الاستراتيجية في المنطقة.
على سبيل المثال، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدم ترامب ما يُعرف بـ “خطة الـ21 نقطة” لإنهاء الحرب في غزة، وقد قوبلت هذه الخطة بدعم رسمي من عدد من القادة العرب والمسلمين، وكأن مجرد سماعها يمنح المنطقة السلام الذي طال انتظاره. هنا تكمن المفارقة الساخرة: بينما تُستمر الحروب والعداوات على الأرض، يجلس بعض القادة أمام الشاشات ويصطفون في صف التصريحات الإعلامية، يبتسمون للكاميرات ويصفقون للوعود، وكأن التفاؤل وحده قادر على تغيير الواقع.
إنها طريقة عربية في التعامل مع القوة العظمى، تقوم على قاعدة ضمنية مفادها: “لن نرفض شيئًا حتى لو كان مجرد كلام، فقد يكون فيه شيء لنا”. هذه الاستراتيجية، رغم أنها تبدو حذرة، في الواقع تكشف عن هشاشة الرؤية السياسية وافتقار القدرة على مواجهة الواقع بشكل مباشر. فالاعتماد على وعود أمريكا، مهما كانت براقة، يشبه الرهان على سراب في صحراء السياسة، حيث تتلاشى كل الأوهام أمام مصالح تتخطى حدود أي خطة أو خطاب.
الواقع الأمريكي: مصالح فوق المبادئ
تُظهر السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط تفضيلًا للمصالح على المبادئ. على سبيل المثال، رغم الوعود بوقف الضم الإسرائيلي للضفة الغربية، تستمر الولايات المتحدة في تقديم الدعم لإسرائيل، مما يثير تساؤلات حول مصداقية هذه الوعود .
الخلاصة
في النهاية، قد يكون السؤال ليس حول ما إذا كان ترامب يكذب على العرب، بل حول لماذا يواصل القادة العرب تصديق هذه الوعود. قد يكون الجواب مرتبطًا بالحاجة إلى الدعم والتعاون في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مدفوعة بالمصالح، وليس بالمبادئ الأخلاقية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور يونس الديدي – كاتب صحفي، محاضر وأستاذ جامعي، باحث في الشؤون السياسية.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
