بقلم الأستاذ عبد الرحمن محمد محمد غزالة*
المقدمة
كان نابليون بونابرت يقول إن شخصية الدولة وشكلها ونظامها السياسي يعتمد بشكل كبير على جغرافيتها، فالجغرافيا تمثل حجر الزاوية في المعادلة السياسية. فمثلًا، الدول التي تميزت بانبساط أرضها وصِغَر مساحتها، جعل ذلك من السهل أن تكون تحت الحكم المركزي، كما غذّى الأطماع التوسعية لأهل هذه البلاد. مثال على ذلك: ألمانيا في عهد هتلر، وإيمان هتلر بفكرة ماكندر وراتزل، بأنه يجب أن يحقق المجال الحيوي الألماني ويحافظ عليه، إذ إنه يحمي ألمانيا من أي غزو خارجي ويوفر لها الموارد اللازمة وحماية البر الألماني الرئيسي. والولايات المتحدة ليست استثناءً.
أولًا: تأثير الجغرافيا على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية
إن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتكون من 13 ولاية أو مستوطنة إنجليزية استقلت عام 1776م من سلطة التاج البريطاني، وهذه المستوطنات كانت النواة التي خلقت لنا دولة هي ثالث أكبر دولة في العالم من حيث المساحة. فمنذ البداية كان من الصعب بسط السلطة المركزية على 50 ولاية، إذ غالبًا ما كان لكل ولاية نظام اقتصادي خاص بها وضريبة وما إلى ذلك. وهنا أول تأثير للجغرافيا، ألا وهو الحكم الفيدرالي، حيث إن كل ولاية تدير شؤونها بنفسها.
حتى في النظام البرلماني، كان للديموغرافيا وعدد سكان الولاية دور حيوي؛ حيث كان هناك رأيان:
-الأول: أن يتم تحديد عدد ممثلي كل ولاية بالنسبة إلى عدد السكان.
-الثاني: أن يكون لكل ولاية ممثلان فقط مهما كان عدد السكان.
وهذا الجدل هو ما خلق لنا الكونغرس الأمريكي بمجلسيه: النواب والشيوخ. فالنواب يتم تحديد عدد ممثليهم بحسب عدد السكان، أما الشيوخ فلكل ولاية، مهما كبر أو صغر عدد سكانها، ممثلان فقط.
أما أثر الجغرافيا على السياسة الخارجية الأمريكية:
فبسبب وجود الولايات المتحدة على الجانب الغربي من الأطلسي، والذي كان يعرف بـ”بحر الظلمات” نظرًا لصعوبة الإبحار فيه، ساعدها ذلك في تطبيق ما يعرف بـسياسة العزلة التي جاء بها جورج واشنطن، والتي ساعدت الولايات المتحدة على عدم التدخل في أي صراع بين القوى العظمى. كما ساعدتها على بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية لتصبح القوة المهيمنة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة.
ولا ننسى مبدأ مونرو أيضًا (أمريكا للأمريكيين) الذي منع القوى الاستعمارية الأوروبية من بسط نفوذها في أمريكا اللاتينية، “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة، والذي جعلها تتحول إلى ما يعرف بـ”المهيمن الإقليمي”، وهي الخطوة الأولى للتحول إلى قطب عالمي.
حتى في الأسلوب العسكري وبسط النفوذ، فإن وجود الولايات المتحدة بين أكبر محيطين في العالم (الأطلسي والهادئ) جعلها قوة بحرية بامتياز. كما أن أسلوبها في بسط النفوذ كان مختلفًا، فهي عمومًا لا تعتمد على احتلال الدول بشكل مباشر؛ إذ إنها طوال تاريخها لم تقم باحتلال سوى ثلاث دول (فيتنام، العراق، أفغانستان). واعتمدت بدلًا من ذلك على القواعد العسكرية الموجودة بموافقة الدولة المستضيفة، وعلى بسط النفوذ عبر القوة الاقتصادية والدعائية لتحقيق السيطرة الأمريكية.
ثانيًا: تأثير السياسة الأمريكية على جغرافيا الأراضي الأمريكية
في الحقيقة، كنا قد ذكرنا أن الولايات التي أسست الولايات المتحدة كان عددها 13 ولاية فقط، فكيف وصلنا إلى هذا العدد الكبير؟
الإجابة تكمن في تصور الآباء المؤسسين أنفسهم؛ فمبدأ مونرو (أمريكا للأمريكيين) لم يكن يقصد به الخمسين ولاية فقط والحدود الحالية، بل الأمريكتين معًا (الشمالية والجنوبية). ولذلك نرى مثلًا شراء الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا، أو شراء الولايات الواقعة في الوسط من فرنسا فيما يعرف باسم صفقة لويزيانا، أو شراء فلوريدا عام 1819 من إسبانيا، أو الدخول في حرب مع المكسيك عام 1848 من أجل الحصول على كاليفورنيا وتكساس.
كل هذه الأمور وأكثر توضّح أن الرؤية والسيكولوجية لدى صانع القرار تؤثر على خريطة دولته. والآن يطلّ علينا ترامب بفكرة ضم جرينلاند أو حتى كندا. لماذا يا ترى؟ بعض المحللين يرون أنه يريد أن يسجل للتاريخ أنه فعل كما فعل الآباء المؤسسون، هذا بالإضافة بالتأكيد إلى الأبعاد الاقتصادية والعسكرية.
ختامًا
سواء أكنت تتبنى وجهة نظر راتزل الألماني في فكرة الحتمية الجغرافية أم لا، فإن الجغرافيا تبقى العامل الوحيد الذي يتميز بالثبات النسبي في عالم السياسة. يمكنك اعتبارها مثل ثابت بلانك في الفيزياء أو الرياضيات، إذ تعطي مؤشرًا عن مدى قوة الدولة. وحتى عندما نقيس قدرة الدولة على بسط النفوذ، نبحث عن مناطق نفوذها حول العالم، وكيف تستغل هذه المناطق بأفضل شكل ممكن. كما نبحث أيضًا عن الخصائص الديموغرافية والطبوغرافية للأرض والسكان لنرى صورة أشمل وأعمق، ونضمن سلامة التحليل السياسي وكفايته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ عبدالرحمن غزالة – كاتب وباحث سياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
