إعداد الأستاذة ريما ملحم*
برعاية وإشراف إدارة مؤسسة BRC العلمية الدولية، عبر قسم اللغات وبرامج اللغة العربية، وبالتعاون مع جامعات ومؤسسات عربية ودولية رصينة، أقيمت الورشة العلمية الدولية حول كتاب “الاستدلال بين التخييل والتدليل في هاشميات الكميت ابن زيد الأسدي” بتاريخ 15 سبتمبر2025.
في هذه الورشة ألقت الدكتورة مريم الحلفاوي، أستاذة اللغة العربية وآدابها من المملكة المغربية، محاضرة غنية حول هاشميات الكميت. أدارت الجلسة الأستاذة إيمان محمد محمود وشاح، وهي كاتبة ومتمرسة في الإعلام الصحي من المملكة الأردنية الهاشمية.

ألقى الدكتور ميثاق بيات الضيفي، رئيس مؤسسة BRC، الكلمة الافتتاحية، مشيرًا إلى أن اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل فضاء حضاري شامل، يحمل ميراثًا فكريًا وروحيًا وشعريًا وفلسفيًا ودينيًا وعلميًا. وأضاف: “العربية صمدت رغم انهيار الإمبراطوريات وتبدل العصور، وتواجه اليوم تحديًا كبيرًا في زمن تتسارع فيه اللغات الرقمية وتتصاعد فيه هيمنة اللغة الإنجليزية كلغة عالمية. السؤال الحقيقي ليس هل ستبقى العربية، بل هل سنبقى نحن أوفياء لها بما يكفي؟”.
استهلت الدكتورة الحلفاوي محاضرتها بالحديث عن حياة الكميت ومكانته!
ولد الكميت في الكوفة ونشأ بها، وانتمى إلى قبيلة بني أسد المعروفة بالتشيع، وكنّي بأبي المستهل. اشتهر بحبه وولائه لآل البيت، ودفعه ذلك إلى الدفاع عن زيد بن علي الذي كان يطمح بالخلافة مثل الحسين. تناول الكميت في شعره موضوعات السياسة التي تمركزت حول قضية وراثة الخلافة بين بني هاشم وأولاده، وخصوصًا علي بن فاطمة باعتباره أقرب نسبًا للرسول عليه الصلاة والسلام، والأحق بنشر الدين والحفاظ عليه.
كان الكميت شاعراً شيعيًا يمثل المجتمع الشيعي ومصدرًا للثورات، ومرسى للشعراء والخطباء وعلماء الدين واللغة، وامتاز بالتزامه بالمنهج العقيدي الزيدي الشيعي، فكان شاعراً ثورياً حتى الممات.
على الرغم من تعرضه للأذى والاضطهاد بسبب تشيعه واحتجاجه للعلويين، واحتجازه من قبل هشام بن عبد الملك، فقد ظل الكميت محافظًا على موقفه الفكري والشعري، حتى قتله ابن يوسف عمر الحجاج الثقفي، ودُفن في مقبرة بني أسد.
ثم عرجت الدكتورة الحلفاوي على مضامين الهاشميات وأهميتها!
ضمت قصائد الهاشميات 563 بيتًا، ركزت على مدح آل البيت الهاشمي والدفاع عن حقهم بالخلافة. اتسمت بالجمع بين التقرير الوعظي العقلي والتعبير العاطفي التخييلي الحزين. خالفت المنظومة الشعرية السائدة في العصر الأموي، حيث انتقلت من فن التصوير الشعري التقليدي إلى فن الاحتجاج الشعري التخييلي الذي يستند إلى الإقناع العقلي. تضمنت محاورات واستدلالات تخييلية واستنتاجات وتعليلات وقياسات، وجعلت من شعر الكميت أداة جدلية وحجاجية.
ثم عرّجت الدكتورة الحلفاوي على موضوع الاستدلال في الهاشميات، إذ أكدت: “تناول الكتاب موضوع الاستدلال في الشعر، موضحًا أنه مفهوم مركزي في المنطق غير الصوري، ومتواجد في جميع موضوعات المنظومة المعرفية، العلمية، الأدبية، الثقافية والدينية. تقوم علاقات الاستدلال على الربط بين الأدلة والنتائج، مع مراعاة عناصر السياقين المقامي والمقالي. تختلف تقنيات الاستدلال بحسب الوظائف المستندة إليها، وتجمع بين الأدلة العقلية، البرهانية، الجدلية، والشعرية. يستخدم الكميت استراتيجيات عدة: الأدلة السهلة والواضحة، الابتعاد عن التعقيدات، والتكامل بين الأدلة لضمان إقناع العقول و تغذية القلوب”.
ثم استعرضت الباحثة مواد الكتاب، وهي:
-أهداف البحث
تحقيق الانسجام بين المنهج الاستدلالي والشعر السياسي.
البحث عن جسور التواصل بين الاستدلال والتخييل في الشعر.
تحليل المستويات التركيبية والدلالية والتداولية في الهاشميات.
-فرضيات البحث
الهاشميات قصائد شعرية تجمع بين التخيل والتدليل.
المنهج الاستدلالي المستخدم متوافق مع طبيعة الشعر السياسي.
-إشكاليات البحث
كيفية تشكيل الكميت لاستدلالاته المشيدة لمعاني أقواله الشعرية.
شروط تحقق الأقوال الاستدلالية في الشعر السياسي والمذهبي.
الخيط الناظم بين الاستدلالات الصريحة والمضمرة.
خصائص الاستدلال التي اهتم بها الكميت.
أسباب تميز الهاشميات في الاستدلال دون غيرها.
مدى حفاظ الهاشميات على شعريتها مع اعتماد التصور الاستدلالي.
-المنهج والإطار النظري
استقى الكتاب منهجه النظري والإجرائي من علوم المنظومة المعرفية القديمة والحديثة، كعلم المنطق، الكلام، الفقه، البلاغة، اللسانيات، التداوليات، والسيميائيات. وقد صُمم منهج الكتاب ليتناسب مع تحليل الشعر السياسي في العصر الأموي، مع التركيز على خلق واقع إجرائي بديل في مجال النقل وتحليل الخطاب الشعري.
-فصول الكتاب
تضمن خمسة فصول:
1-فكر الأحزاب السياسية وشعرها.
2-الهاشميات الأولى والتحليل الحجاجي.
3-الهاشمية الثانية والمنهج الاستدلالي الطبيعي.
4-الهاشمية الثالثة والاستدلال الجدلي.
6-الهاشميات الرابعة والاستدلال البلاغي.
ثم بينت الدكتورة الحلفاوي أن الدراسات السابقة، مثل:
-أدب السياسة في العصر الأموي لمحمد الخوفي.
-الفرق الإسلامية فكراً وسياسة لأبي حاتم خليل نبيل.
-التطور والتجديد في الشعر الأموي لشوقي ضيف.
تناولت شعر الهاشميات من جوانب شعرية وجمالية ودلالية، لكنها لم تتناول موضوع الاستدلال التحليلي كما فعل الكتاب الحالي.
وفي الختام عرضت الدكتورة الحلفاوي أهم نتائج البحث، وهي:
1-الاستدلال الحجاجي: حددت الدراسة الاستراتيجيات الحجاجية في الهاشميات الأولى، وكيفية بناء الحجج والتدليل.
2-الاستدلال الطبيعي: دراسة أشكال الاستدلالات المباشرة وغير المباشرة في الخطاب الشعري.
3-الاستدلال الجدلي: تحليل المناظرات التخييلية التي قدمها الكميت في الهاشميات الثلاثية.
4-الاستدلال البلاغي: دراسة الأقوال المبنية على تصورات المخاطبين، وكيف استخدمها الكميت لتحقيق أغراضه وتوصيل معانيه.
خلال الورشة، تم فتح المجال للنقاش، حيث طرح الحضور مجموعة من الأسئلة المهمة والمتنوعة حول شعر الكميت ابن زيد الأسدي وهاشمياته، وجاءت كالآتي:
طرحت الأستاذة حسناء السؤال التالي:
بما أن الشعر كان ديوان العرب، وطرحتِ هاشميات الكميت التي كُتبت في العصر الأموي، ونحن على هذا البعد الشاسع من العصر الأموي وتطور العلوم، نعلم أن الشعر لعب دورًا كبيرًا في الحفاظ على اللغة العربية. إذا أسقطنا ذلك على عصرنا الحالي، كيف يمكن للشعر أن يساهم في الحفاظ على اللغة العربية وتطويرها مع تقدم العلوم، مع العلم أن الشعر اليوم لم يعد له نفس الدور، وهناك من يقول إنه أصبح مجرد طرف؟
جاءت إجابة الدكتورة الحلفاوي على الشكل:
لا يمكن مقارنة الشعر في العصر الأموي بالشعر الحالي. في الماضي كان الشعر ديوان العرب وأداة أساسية في السياسة والمجتمع وحتى في التفسير القرآني، أما الآن فقد تطورت وسائل التواصل ووسائل التعبير، فلا يمكن الاعتماد على الشعر وحده.
أما الأستاذة إيمان فقد طرحت مجموعة من الأسئلة:
ما أهمية وميزات هاشميات الكميت؟
ما هو الغرض من قصائد الهاشميات؟
كيف تتجلى هذه الثنائية بين التخيل والتدليل في أشعار الكميت؟
هل يمكن النظر إلى هاشميات الكميت باعتبارها نصوصًا حجاجية أقرب إلى الخطاب السياسي والفكري منها إلى الشعر المحض؟
ما موقع هاشميات الكميت داخل سياق الشعر السياسي والجدلي في العصر الأموي؟
موقع هاشميات الكميت في الشعر السياسي الأموي: تحتل المرتبة الأولى من حيث البناء والشكل، وتتميز بتجاوزها الأسلوب التقليدي للشعر السياسي، حيث جمعت بين الفكرة، الشكل، والحجة الشعرية.
جاءت إجابات الباحثة الحلفاوي على الشكل:
بالنسبة لميزات هاشميات الكميت: فلقد تضمنت 563 بيتًا، وركزت على مدح آل البيت الهاشمي والدفاع عن حقهم بالخلافة، وامتازت بجمعها بين التأثير العقلي والعاطفي، مع طغيان التأثير العقلي عليها.
الغرض من قصائد الهاشميات: الدفاع عن حق آل البيت في الخلافة، وانتقاد استيلاء الأمويين على الحكم، والتأكيد على الحقوق الشرعية للأهل الهاشميين.
أما حول الثنائية بين التخيل والتدليل، فالتخيل يكشف وظيفة الخيال في إنتاج الأدب، ويتيح للشاعر التعاون مع المتلقي لإنتاج صور شعرية ذهنية. أما التدليل، فهو قيام الشاعر بالاستناد إلى الحقائق وبناء صور ذهنية ذكية تعرض للقارئ بطريقة عقلانية.
حول اعتبار هاشميات الكميت نصوصًا حجاجية: نعم، أغلب النقاد يدرجونها ضمن الخطب الشعرية السياسية، لكنها تظل شعرًا منظومًا بطريقة مؤثرة تجعل القارئ يعيش عالمها الشعري.
أشار الأستاذ صهيب إلى أن الأحداث التاريخية قد تبدو بعيدة، ولكن إيديولوجياً ما زلنا نعيشها، خصوصًا الصراع بين بني هاشم وبني أمية. وطرح سؤالين:
1-هل كان هناك ردة فعل أموي على الكميت؟ أي من الناحية الأدبية، هل هناك أدبيات تعارض شعره؟
2-ذكرتِ أن الكميت كان يجالس الفقهاء ويستند في آرائه على أدلة عقلية ونقلية حول الخلافة، فهل قامت الدكتورة على جرد هذه الأدلة من روح شعر الكميت؟
جاءت الإجابة على الشكل:
الشعر السياسي الأموي لم يرقَ إلى قوة شعر الكميت من حيث اللغة، الدلالات، التركيب، والحجاج، ولا توجد معارضة شعرية بنفس المستوى.
بالنسبة لجرد الأدلة: شعر الهاشميات مليء بالأدلة البناءة على المستويات التركيبية والدلالية، وقد استخدمها الكميت لتقوية حججه في الشعر السياسي.
لم تقتصر الورشة على استعراض تاريخ الشعر وحسب، بل فتحت آفاقًا واسعة للتأمل في العلاقة بين الأدب، الاستدلال، والتخييل، كما سلطت الضوء على الدور المستمر للغة العربية في صياغة الفكر والهوية الثقافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذة ريما ملحم – كاتبة وشاعرة وناقدة أدبية.
