بقلم الأستاذ عبدالرحمن محمد محمد غزالة*
المقدمة
في رحلة السرافِي إلى الصين، وحينما قدم إلى البلاط الصيني سأل السرافِي عن أحوال الملوك عند ملوك الصين؛ أي: كيف يرون ميزة كل ملك؟ فقدم لكي يتكلّم عن الملك الذي كان يحكم الشرق الأوسط وقتها — وهو الخليفة العباسي — فأردف قائلاً: «إنا نعدّ الملوك خمسة؛ فأوسعهم ملكًا الذي يملك العراق لأنّه في وسط الدنيا، والملوك محدِّقة به، ونَجد اسمه عندنا ملك الملوك.» وتلك المقولة جاءت قبل نظرية «قلب الأرض» وتعبر عن رؤية العالم قديماً لمنطقة الشرق الأوسط، الذي كان يرى فيها أن قارات العالم القديم (آسيا وأفريقيا وأوروبا) هي الجزيرة، ويوجد مناطق الأطراف مثل (اليابان ودول شرق آسيا) والمركز — أي قلب الأرض — (وهو شرق أوروبا). لكن حقيقة ماكندر يبدو أنّه لم تصله هذه المحادثة بالتأكيد، لأنه على الفور كان سيجعل الشرق الأوسط هو المركز. أولاً يجب أن نعرف ما هو الشرق الأوسط.
الشرق الأوسط
منطقة محدّدة بشكل فضفاض تشمل عادةً جنوب غرب آسيا، وخاصة شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، وغالبًا ما تشمل تركيا وإيران وشمال أفريقيا وأحيانًا أفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى. عادةً ما يتم تصورها كمنطقة بين أوروبا وجنوب آسيا، وذلك طبقًا للموسوعة البريطانية.
ولكن إن أردنا أن نحدّدها بشكل أدق فهي الدول التي تشمل دول الخليج العربي، والعراق، وسوريا، ولبنان، وتركيا، وإيران، ومصر، وفلسطين المحتلة، والأردن، واليمن، بالإضافة إلى المغرب العربي — تحديدًا المغرب — لأنها تطل على مضيق جبل طارق، والذي يعتبر ممرًا ملاحيًا دوليًّا حيث إنه خاضع للسلطات المغربية من ناحية ولإقليم جبل طارق الخاضع تحت سلطة التاج البريطاني من ناحية أخرى.
أهمية الشرق الأوسط
تأتي أهمية هذه المنطقة من الناحية الجيوسياسية من عدة نواحٍ:
أولاً: ربطها بين القارات الثلاث القديمة (آسيا، أوروبا، وإفريقيا).
ثانياً: الممرات الملاحية الدولية: قناة السويس، مضيق جبل طارق، مضيق باب المندب، مضيق هرمز، ومضيق البوسفور، والتي تلعب دورًا في غاية الأهمية سواء في التجارة الدولية أو في شل سلاسل الإمداد والدعم اللوجستي للدول المعادية والمناوِئة. فمثلًا:
-قناة السويس: يمر عبرها 12% من إجمالي حجم التجارة البحرية العالمية، ويعبرها سنويًا ما يقرب من 20 ألف سفينة.
-مضيق هرمز: يربط خليجَ هرمز بين الخليج العربي وخليج عمان ومن بعده المحيط الهندي، ويمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 11.1% من إجمالي التجارة البحرية العالمية.
-مضيق البوسفور — الخاضع تحت سيطرة تركيا — يمر عبره حوالي 3.1% من إجمالي التجارة البحرية العالمية.
وهذا يعطينا مؤشرًا أن الدولة التي تسيطر على هذه الممرات والمضائق والموانئ سيكون لديها قدرة على شل العالم حرفيًا إن أرادت ذلك.
ثالثًا: مصادر الطاقة الهامة؛ حيث إن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يملكان ما يقرب من 60% من احتياطات النفط في العالم، وهذا هو السلاح الذي تقوم عليه الصناعات المتقدمة، وسوف تزداد أهميته خصوصًا أننا قد دخلنا أعقاب الثورة الصناعية الخامسة والقائمة على الذكاء الاصطناعي، حيث إن مراكز المعلومات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية.
رابعًا: الاحتواء؛ في الحقيقة منذ الثنائية القطبية كان الشرق الأوسط منقسمًا بين التيار الناصري والحليف للسوڤيت والتيار الملكي، وكان مركزه دول الخليج العربي ونظام الشاه في إيران، لذلك لن نستغرب تأسيس الولايات المتحدة لحلف بغداد عام 1955م مواجهة المد الشيوعي الذي كان يقوده جمال عبد الناصر وقتها. تركيا مثلًا كانت تستخدم كجزء من حلف الناتو لقطع الطريق على السوڤيت في الوصول إلى المياه الدافئة ووقف تمددهم في القوقاز. ولعل أبرز ما يوضّح هذا الانقسام هي حرب اليمن، والتي كانت حربًا بين الجمهوريين بدعم مصري آنذاك والملكيين بدعم سعودي، وكانت بمثابة حرب بالوكالة بين القطبين المسيطرين. وفي الحقيقة لم تتوقّف الولايات المتحدة عن استخدام هذه السياسة؛ حيث إنه عقب وقوع نظام الشاه في إيران عام 1979م قامت بمحاصرة إيران عبر قواعدها العسكرية على الخليج العربي وفي المناطق المحيطة بأذرعها. وهذا ينقلنا إلى الجزء التالي.
الشرق الأوسط والهيمنة الأمريكية
في محاضرة حضرتها بكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة الإسكندرية مع طلاب الفرقة الثانية قسم العلوم السياسية كان يتحدث عن تحليل السياسة الخارجية، وكان يحاضر فيها الأستاذ الدكتور ممدوح منصور، فقال إنّ سياسة الولايات المتحدة اتجاه الشرق الأوسط يمكن تلخيصها في ثلاث أوجه رئيسة:
أولًا: السيطرة على مراكز النفط والطاقة الموجودة بالشرق الأوسط.
ثانيًا: السيطرة على الممرات الملاحية الدولية.
ثالثًا: ضمان بقاء إسرائيل — وهذا هو الوجه الأهم من المعادلة.
بدايةً بالنقطة الأولى: مع الثورة الإيرانية والخوف من تصدير الثورة للدول الخليجية المجاورة، سمحت دول الخليج بوجود قواعد عسكرية أميركية على أرضها. ومع حرب الخليج الثانية ازداد الالتصاق بالمظلة الأمريكية، ومع احتلال العراق 2003م — والتي كانت تملك رابع أكبر قوة عسكرية عالميًا وواحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم — أصبح الخليج والنفط في المنطقة تحت حماية ووصاية الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للنقطة الثانية: فبوجود عدد من القواعد العسكرية الأمريكية في الإمارات وقطر والسعودية والكويت والبحرين والعراق، ضمنت السيطرة إلى حد كبير حماية مضيق هرمز والهيمنة عليه. وبالنسبة لمضيق باب المندب فهناك قاعدة عسكرية أمريكية في جيبوتي لضمان سير الملاحة؛ ولذلك دخلت الحرب مع الحوثيين عقب السابع من أكتوبر وانتهت بالتوصل إلى اتفاق في 9 مايو 2025م. أما عن مضيق البوسفور فلا داعي لذكر أن تركيا تعتبر ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو ولديها واحدة من أكبر قواعده العسكرية. وما عن قناة السويس فمع كامب ديفيد أصبحت مصر أكثر التصاقًا بالولايات المتحدة بسبب المعونة العسكرية، وزاد هذا الأمر مع الأزمة الاقتصادية وأزمة الديون، خصوصًا إذا علمنا أن الولايات المتحدة تعتبر من أكبر مُمَوّلي صندوق النقد الدولي الذي تستدين منه مصر بكثرة.
أما الوجه الثالث والأهم فهو بقاء إسرائيل: في الحقيقة إن إسرائيل لا تمثل مجرد دولة إنما قاعدة عسكرية كاملة شاملة بجيش وباقتصاد وباكتفاء ذاتي نوعًا ما. فبعد حرب السادس من أكتوبر أو حرب يوم الغفران أصبحت كلٌّ من مصر والأردن أول الدول المطبعة وربطت بينهما علاقات سياسية مع إسرائيل، وأصبحت مصر والأردن أكثر ميلًا للمعسكر الغربي. ومع الأزمة الاقتصادية التي مرت بها مصر وأزمة الديون التي تواجهها، أصبحت مصر تحت ضغط أكبر؛ هذا بالإضافة إلى المعونة العسكرية المقدرة بحوالي مليار ومائتي مليون دولار، ومع أن أغلب تسليح مصر معتمد على السلاح الغربي ومع اتباع سياسة الولايات المتحدة استراتيجية التفوق النوعي لإسرائيل على حساب بقية دول المنطقة، فلم يكن مستغربًا ما رأيناه من أن الرد المصري لم يكن على القدر المتوقع. والدليل على ذلك أن مصر اضطرت لتوقيع صفقة غاز وتمديدها ودفع مصر 35 مليار دولار، خاصةً أنه بسبب الأزمة الاقتصادية واجهت مصر أزمة في الطاقة. وعلى الرغم من هذه الضغوط فإن مصر تحاول موازنة الأوضاع في محيطها الإقليمي.
أما عن دول الخليج فبعد اتفاقيات إبراهيم (الاتفاق الإبراهيمي) التي طبعت عددًا من الدول العربية منها الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، أصبح وجود إسرائيل أمرًا واقعيًا، بل إن بعض هذه الدول مثل الإمارات وفرت ممرًا بريًا لإسرائيل لإيصال المواد الغذائية عقب خروج مستوطنات غلاف غزة من الخدمة. وحتى أن السعودية كانت على وشك تطبيع العلاقات مع إسرائيل كشرط أمريكي لتطبيق اتفاقية الدفاع المشترك.
في الحقيقة أيضًا أن إسرائيل عقب السابع من أكتوبر أصبحت هي الدولة الأقوى في الشرق الأوسط وجعلت الهيمنة الأمريكية تغرس أنيابها أكثر فأكثر؛ حيث إنها أنهت محور المقاومة الغريم الرئيس لإسرائيل، حيث خرج حزب الله في لبنان من الخدمة ودخل الجيش اللبناني للجنوب، وسقوط نظام بشار الأسد في ١١ يومًا فقط على يد هيئة تحرير الشام التي جاءت بدعم تركي وبتنسيق — على الأرجح — مع الولايات المتحدة. بعد تولي أحمد الشرع مقاليد الحكم مباشرة ذهب إلى السعودية للقاء بترامب الذي وعده بالقضاء على النفوذ الإيراني مقابل رفع العقوبات بالفعل. كما ما تابعه من أحداث استغلال إسرائيل لسقوط نظام بشار الأسد وتدمير ٧٠٪ من القوة العسكرية السورية والتوغل في الجنوب السوري والوصول إلى منطقة جبل الشيخ التي تمثل تهديدًا للعاصمة دمشق ودول مثل الأردن ولبنان، وضرب القصر الرئاسي السوري جوًا في سابقة من نوعها، وذلك على الرغم من أن السوريين كانوا وقتها في مفاوضات مع الإسرائيليين وهناك أنباء عن اقتراب توصل أمني مع إسرائيل. هذا بالإضافة إلى التدخل في السويداء ودعم أنصار حكمت الهجري والعمل عمداً على عدم الاندماج مع الدولة السورية، وبدأ بالفعل العمل على مخطط إسرائيل الكبرى والذي بدايته ما يُعرف بممر داوود.
والصورة الخاصة بهذا الاتفاق ستكون على شاكلة اتفاق كامب ديفيد. ولا ننسى حرب الـ12 يومًا؛ وعلى قدر أننا استنزفنا إسرائيل إلا أنها كشفت عن مدى التوغل الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية وضربها — بمساعدة الولايات المتحدة — لثلاثة مواقع نووية هي (فوردو، نطنز، وأصفهان)، وتعطيل البرنامج النووي الإيراني نوعًا ما. وآخر الأمر هو ضربها لخمسة دول عربية بما فيها الدوحة وضرب الوفد المفاوض من حركة حماس.
ختامًا
إن الشرق الأوسط يجب أن يكون للشرق أو للسيادة الوطنية على غرار مبدأ مونرو، وأن العُرْبدة الإسرائيلية وعدوانها السافر والغاشم عليه أن يقف عند هذا الحد. وخصوصًا أنه في التصريح الأخير لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أكد أنه يسعى إلى تحقيق ما حلم به أسلافهم في إنشاء «دولة من النيل إلى الفرات»، والضربة على الدوحة هي أصدق مثال على ذلك. ويؤسفني القول إن العمل على تكوين ناتو إسلامي أو عربي أصبح بابًا من أبواب الخيال؛ لذلك ما أراه مناسبًا هو الضغط الدبلوماسي بأقصى درجة: الانضمام إلى منظمات دولية، ملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية، الضغط الاقتصادي عن طريق عدم استخدام الموانئ الخاصة بالدول العربية والإسلامية للرسو لصالح إسرائيل، عدم التبادل التجاري معهم سواء بالاستيراد أو التصدير، الحظر الجوي للطيران المدني والعسكري لدولة الاحتلال، وتكوين جماعة ضغط عربية بالولايات المتحدة لموازنة جماعات الضغط الصهيونية — كل هذه أوراق يمكن استعمالها واستغلالها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ عبدالرحمن غزالة – كاتب وباحث سياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
