إعداد المهندسة سارة ملحم*
برعاية رئيس جامعة تكريت، نظّمت مؤسسة BRC العلمية الدولية، بالتعاون مع مركز JSM للأبحاث والدراسات العلمية (موسكو) وعدد من الجامعات والمؤسسات العلمية العراقية والعربية، عبر القسم النفسي والأرطوفوني التابع لمؤسسة BRC، بتاريخ 18 سبتمبر الجاري ملتقىً علمياً لمناقشة أحد أهم عناصر العملية التربوية، وهو الدافعية لدى المتعلمين. وقد ركزت الندوة على استعراض نظريات ومقاربات حديثة وتطبيقات عملية تساعد على خلق بيئات تعليمية محفِّزة وفعّالة.
تُعدّ الدافعية التعليمية من أبرز العوامل المؤثرة في نجاح العملية التربوية، إذ تمثل القوة الداخلية التي تدفع المتعلم إلى التفاعل الإيجابي مع المواقف التعليمية، والمثابرة على تحقيق أهدافه الأكاديمية رغم التحديات. ومع التطورات المتسارعة في علوم التربية وتقنيات التعليم، برزت الحاجة إلى البحث عن مقاربات حديثة تهدف إلى بناء بيئات تعلم محفِّزة تستجيب لاحتياجات المتعلمين المتنوعة.
افتتحت الجلسة الأستاذة إكرام غزلي من جامعة وهران 2 محمد بن أحمد (الجزائر)، مؤكدة أن المعرفة باتت متاحة بوفرة، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في: “كيف نُحوِّل فضاءات التعلّم إلى بيئات مشوِّقة تُثير الفضول، وتُحفّز الإبداع، وتُطلِق العنان للابتكار؟” وأوضحت أنّ دور المربي اليوم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتعدّاه إلى بناء بيئة تعليمية تُلهم المتعلم وتجعله شريكاً فاعلاً في صناعة المعرفة.
تطرّق الدكتور ميثاق بيات الضيفي، رئيس مؤسسة BRC العلمية الدولية والأستاذ في جامعة تكريت (العراق)، إلى مفهوم هندسة الدافعية التعليمية، واصفًا إياها بـ “الثورة الصامتة نحو مدارس المستقبل”. وأوضح أنّ جوهر الأزمة في الأنظمة التعليمية العربية يكمن في كتب بلا روح وصفوف بلا نبض، لغياب التحفيز الحقيقي الذي يمنح التعليم معنى ودافعية. وبيّن أنّ الورشة طرحت بجرأة هذه الإشكالية، حيث أصبحت بعض المدارس فضاءات جامدة تفتقر إلى الإبداع والتفكير، بل أشبه بـ “معتقل للفكر”. وشدّد على أنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة النظر في بنية المناهج وإحياء بيئات التعلم بالتحفيز والمرونة والابتكار، بما يضمن تكوين أجيال مبدعة وفاعلة في مجتمعاتها. كما أكد أنّ الدافعية التعليمية ليست رفاهية أو شعارات مكتوبة، بل هي المحرك الأساسي لأي مجتمع يسعى إلى النهضة. وأوضح أن المؤسسات التربوية مطالبة بتصميم بيئات تعليم تولّد الحافز الداخلي لدى الطالب وتدفعه إلى التفاعل والمثابرة والإبداع، بحيث يصبح شريكاً في عملية التعلم لا مجرد متلقٍ سلبي.
بدأت الدكتورة إيناس فهمي النقيب، وهي أستاذة مساعدة في علم النفس التربوي بكلية التربية – جامعة بورسعيد (مصر)، مداخلتها بالتأكيد على أن الدافعية شرط أساسي للتعلم: “من دون دافعية لا يحدث لدينا تعلم”. واستشهدت بعبارة ملهمة: “إن تعثرت فلا تقعد، بل قُم وانطلق صعودًا نحو القمة”. ولفتت الدكتورة النقيب إلى أنّ ضعف دافعية الطلاب يُعد من أبرز تحديات التعليم حاليًا، إذ يحضر العديد منهم إلى الفصول بلا رغبة حقيقية في التعلم، ما يؤثر سلبًا على التحصيل. وشددت على ضرورة تجديد أساليب التعليم وتبني مقاربات تجعل الطالب شريكًا فاعلاً، بما يعزز دافعيته ويعيد للتعلم بريقه. وبيّنت أن الدافعية التعليمية ليست مجرد رغبة، بل مزيج من الاستعداد والجهد والإصرار، ولها ثلاثة أدوار رئيسية:
1-توجيه السلوك نحو الأهداف.
2-تحديد المسار لتحقيق الأهداف.
3-تعزيز السلوك وتشجيع الاستمرارية حتى النجاح.
وأرجعت الدكتورة النقيب أن ضعف الدافعية إلى أسباب نفسية، مثل ضعف الثقة بالنفس والمشكلات الصحية، وأخرى أسرية أو تعليمية، كضعف الدعم الأسري والمناهج الجامدة وغياب التنوع في استراتيجيات التدريس.
وعدّدت الدكتورة النقيب أبرز أنواع الدافعية:
1-الداخلية: نابعة من المتعلم نفسه (الطموح، الفضول).
2-الدائمة: التي تستمر مع الزمن.
3-الإيجابية: التي تعزز الثقة وتدفع نحو الإنجاز.
4-المعرفية: الناتجة عن حب الاستطلاع والرغبة في المعرفة.
وأفادت الدكتورة النقيب أنّ الدافعية ليست ثابتة بل تتأثر بالظروف المختلفة، ما يفرض على المؤسسات التعليمية دوراً أساسياً في رفع مستواها عبر استراتيجيات مناسبة.
كما أوضحت الأستاذة النقيب إلى أن الاستثمار في هندسة الدافعية التعليمية ينعكس بشكل مباشر على جودة التعليم، ومن أبرز فوائده:
1-رفع مستوى التحصيل العلمي.
2-تعزيز التعلم العميق بدلاً من الحفظ السطحي.
3-زيادة الاستمرارية والمثابرة.
4-تنمية المهارات الحياتية مثل العمل الجماعي وحل المشكلات.
5-الحد من التسرب الدراسي وتعزيز الانتماء للمؤسسات التعليمية.
واختتمت الدكتورة النقيب أنّ هندسة الدافعية التعليمية ضرورة تربوية لا غنى عنها، وأن بناء بيئات تعليمية محفِّزة يتطلب تعاونًا مشتركًا بين الطالب والأسرة والمعلم وصانع القرار، من أجل إعداد جيل مبدع، مثابر، وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المهندسة سارة ملحم – كاتبة صحفية، مهندسة في مجال تكنولوجيا المعلومات.
