بقلم الأستاذة نُسيبة شيتور*
لم أستطع أن أشاهد الحلقة الأخيرة من الموسم الثالث لمسلسل Sequid Game كمشاهدة عادية.
كان صمت غزة يضغط على حلقي، وصور الرضع المنتشلين من تحت الركام تهاجم الشاشة وتقاطع الخيال بالحقيقة، فحين اختار البطل أن يضحي بنفسه لإنقاذ رضيعة ولد في قلب اللعبة، لم يكن مجرد قرار درامي.
لقد تحول إلى استعارة حية لكل أولئك الذين يرفضون قواعد لعبة كبرى تدار من قبل أنظمة تتحكم بمصائر الشعوب، وتجعل من الضعفاء وقوداً لبقائها.
“نحن بشر، لسنا أحصنة” هذه العبارة لم تكن صرخة من داخل اللعبة، بل من عمق المأساة، صرخة تتقاطع مع أصوات عربية وأممية سحقت وقمعت، وتذكر العالم بما يحاول تجاهله: أن الإنسانية ليست مادة قابلة للتفاوض.
بحكم تخصصي لا أستطيع أن أستهلك الصورة دون تفكيك رموزها، ما يراه البعض ” مشهداً مؤثراً”، أراه شيفرة سياسية محملة بثقل أخلاقي عميق.
الرضيعة في المشهد ليست مجرد رمز للبراءة، بل تجسيد لضحايا النزاعات المنسية، وللطفولة المستباحة في زمن تدار فيه ” لعبة الموت” أمام شاشات صامتة.
اللعبة لم تعد خيالاً
منذ موسمه الأول، قدم Sequid Game نقداً حاداً للرأسمالية النيوليبرالية المتوحشة، لكنه في موسمه الثالث – وخاصة في نهايته – يتجاوز الرمز ويطرح تحدياً مباشراً: من يملك الحق في رسم قواعد البقاء؟ من يحدد من ينقذ، ومن يستثنى؟
في قلب المشهد، لا تبرز الرضيعة ككائن ضعيف فقط، بل كرمز ثقيل: هي الطفلة الفلسطينية، اليمنية، السودانية… هي الضحية التي لم تختر أن تكون في هذا الميدان، لكنها صارت معياراً أخلاقياً عالمياً.
إنقاذها مقابل موت البطل ليس مجرد حدث درامي، إنه إعلان عن نظام قيمي بديل، يعيد تعريف البطولة: البطل هنا لا ينجو، بل يرفض النجاة إن كانت مشروطة بخضوعه للعبة غير إنسانية.
“نحن بشر، لسنا أحصنة ” بيان ضد منطق الهيمنة
في المشهد الختامي، يتحول البطل إلى شاهد على سقوط مبدأ البقاء للأقوى، ففي اللغة البصرية والسياسية هو الكائن الذي يستخدم ويستهلك ثم يستبدل.
وعندما يقول البطل تلك العبارة، فهو لا يدافع فقط عن الطفلة، بل يدافع عن حق الجميع في ألا يكونوا مجرد أدوات في سياق لا ينتهي.
إنه خطاب مضاد لعقيدة النيوليبرالية التي اختزلت الإنسان في فائدته، وجعلت من “الاختيار” غطاء لشرعنة الإقصاء والقتل.
هو احتجاج أخلاقي في وجه آلة تفرز الناس الى منتصرين وخاسرين وتدعي أن ما يجري هو مجرد لعبة عادلة!
الصمت الأعلى صوتاً
حين تبقي الدراما على حياة الطفلة، وتميت البطل فهي لا تصنع نهاية سعيدة، بل تطرح سؤالاً مؤلماً: من يتبقى ليحمي البقية؟
ومن يصمد في وجه اللعبة الواقعية التي تخاض بأجساد الرضع والنساء؟
أين هو البطل الذي سيقول للعالم كفى؟
إذا كانت جملة واحدة في مسلسل خيالي قادرة على فضح منطق البقاء الأعوج.. فلماذا تعجز الحقيقة الدامية بدموعها، بجثثها، برضعها، عن تحريك الضمير العالمي؟
أم أن اللعبة خارج الشاشة أقسى، وأشد تعقيداً، وأبكم من أن يوقفه مشهد أو صرخة، أو طفلة واحدة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذة نسيبة شيتور – باحثة في الاتصال السياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
