بقلم الدكتور يونس عدنان عبد*
شهدت العلاقات السورية الخليجية تقلبات مستمرة خلال فترة حكم نظام بشار الاسد، إذ اتسعت فجوة الخلافات والقطيعة بشكل اكبر بعد العام 2011، ودعت اغلب الدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية إلى ضرورة التغيير السياسي الشامل في سوريا، ودعمت جهات وفصائل معارضة للنظام، في حين عادت العلاقة مع الإمارات الى طبيعتها بعد إعادة فتح السفارة الإماراتية عام 2018، وعزز ذلك زيارة الأسد الى ابو ظبي عام 2022، ورغم ذلك فإن حجم الترحيب الخليجي في الإدارة السورية الجديدة يكشف عن مدى التنافر السياسي وعدم الرضا الخليجي عن طبيعة النظام القائم في سوريا قبل ٨ كانون الأول 2024، وطريقة تعاطيه مع مجريات الأزمة السورية بما فيها المجازر الجماعية وتجويع المدنيين والانفراد بالسلطة.
وفي ظل الظروف السياسية الجديدة في سوريا فقد أبدت دول الخليج العربي استعدادها التام لتبني ودعم مشروع الحكومة الحالية، ونيتها عن تقديم المساعدات الاقتصادية وتبادل الخبرات الأمنية والسياسية لإعادة البناء والاستقرار في سوريا.
وقد احتضنت الرياض الاجتماع الثنائي بين الرئيس الامريكي دونالد ترامب ونظيره السوري أحمد الشرع في أيار 2025، في خطوة مهمة تهدف الى دمج الحكومة السورية في المجتمع الدولي لتحقيق الاعتراف الدولي بها، والاستفادة من نتائج العلاقات الجيدة مع القطب الاقوى في العالم، ونتيجة لذلك تم الإعلان عن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، ما أسهم في خفض التضخم الذي تعاني منه البلدان، وفتح المجال أمام زيادة الاستثمارات الأجنبية داخل سوريا، إلى جانب ذلك ارتكزت السياسة الخليجية تجاه سوريا بشكل أساس على ركيزة الاقتصاد لتحقيق التقدم والتنمية في البلاد متجاوزة بذلك الخلافات السياسية السابقة، إذ أعلنت السعودية عن شراكة اقتصادية كبيرة مع سوريا في مجال الطاقة، بتوقيع الرياض ودمشق على خطة عمل خمسية لغاية 2030 شملت التعاون الثنائي في مجال النفط والغاز والربط الكهربائي ودعم جهود التحول نحو الطاقة المتجددة، وتأسيس مجلس الأعمال السعودي السوري لتحقيق اهداف البلاد في التنمية والنمو الاقتصادي ودعم الاستقرار العام، وتتطلع الرياض إلى ملأ فراغ النفوذ الإيراني في سوريا من خلال مد شبكة واسعة من الاستثمارات والتعاون المشترك بما يضمن عودة سوريا إلى الحاضنة العربية، بمنأى عن التدخلات الإيرانية التي تهدد الأمن القومي السعودية من وجهة نظر صانع القرار السعودي.
إلى جانب ذلك أعلنت الحكومة السورية عن البدء في ضخ الغاز من أذربيجان إلى محطات توليد الطاقة الكهربائية في البلاد عبر الأراضي التركية، برعاية قطرية ساعية بذلك إلى تعزيز النفوذ القطري، ومن المقدر أن يتم توريد نحو 304 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، على ان تصل إلى نحو 6 ملايين متر مكعب وتزود البلاد بنحو 10 ساعات من الكهرباء يوميًا، واعلنت الحكومة القطرية مساهمتها بـ 800 مليون دولار لإعادة إعمار مناطق شمال سوريا.
فضلًا عن ذلك قدمت الإمارات عبر الهلال الأحمر الإماراتي نحو 500 مليون دولار مساعدات انمائية لسوريا لمساعدتها على إعادة الاعمار وبناء الدولة، فيما لم تختلف مواقف الدول الخليجية الاخرى عن ذلك، إذ أعلنت كل من الكويت والبحرين وسلطنة دعمهم للتحولات السياسية في سوريا، داعية الأطراف الإقليمية والدولية إلى دعم جهود الحكومة السورية الجديدة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار للشعب السوري.
وتعكس هذه التوجهات السياسية والاقتصادية الكبيرة لدول الخليج العربي تجاه سوريا عن مستقبل الشراكات الكبيرة بين الجانبين، بما يضمن التوسع في قضايا مكافحة الإرهاب والفساد، وحماية الحدود المشتركة والوقاية من خطر الجماعات الانفصالية خاصة على الحدود مع السعودية، وفتح سوقا جديدة للاستثمار أمام الشركات الخليجية، وكسب الشرعية الدولية للحكومة السورية الجديدة.
ورغم كل ما ذكر إلا أن هذه المساعدات بطبيعة الحال لن تخلو من بعض الاجندات والدوافع الخفية التي قد تضع سوريا أمام تحولًا تاريخيًا يفرض عليها تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني أو الانجرار خلف فتيل الأزمات الأهلية، إذ يرى الكثير أن الدور الخليجي المتصاعد في سوريا يمثل امتدادًا لدوافع الاستراتيجية الأمريكية في سوريا والمنطقة، والتي تسعى إلى إيجاد نظام سياسي صديق لإسرائيل بما يضمن أمن وسلامة الكيان، مقابل الاعتراف الدولي وتحقيق التنمية الاقتصادية في البلاد، وعليه فقد باتت الدول الخليجية فاعلًا رئيسًا في ملف الأزمة السورية بما تجسده من انعكاس للرؤية الأمريكية، خاصة في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الأمريكية الخليجية اعلى مراحل التفاهم والتعاون المشترك التي تصل في بعض الأحيان لمرحلة التبعية التامة القائمة على منطق القوة المهيمنة للإدارة الأمريكية، وحاجة دول الخليج للحماية الأمريكية المستمرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور يونس عدنان عبد – باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية، جامعة الأنبار.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
