بقلم الدكتور محمدعياش*
يقول تيودور هيرتزل في مؤتمر بروكسل، نحن عازمون على «تأسيس دولة يهودية» يشرب أهلها الماء من الفرات والنيل.
تنفي الوكالة الصهيونية هذا القول، وذلك لما فيه من المغالطات والأخطاء الاستراتيجية العميقة، إذ يقول جموع المفكرين الإيديولوجيين الصهاينة، أن هرتزل أعلنها في مؤتمر بال سويسرا 1897 واعتراضهم ونفيهم لكلمة «تأسيس» لأن إسرائيل حاضرة ولم تغيب في الذهنية الصهيونية الإحلالية.
ولأن العالم الغربي كان بأمس الحاجة للتخلص من الأفكار الشوفينية القديمة التي عصفت بالقارة عبر حربين مدمرتين، وحاجتها أيضا ً للتخلص من الضغط اليهودي المتغلغل، والذي يمارس أبشع التصرفات وعمليات الابتزاز والمساومات والتقامر، وجعل المرأة أداة فاعلة في الوصول إلى الأهداف المستحيلة، والعمل على السيادة المطلقة على المال والأعمال في كل دولة على حدة، والتهديد والوعيد لكل من تسوّل له نفسه السؤال أو الاستفسار عن طبيعة إدارة البلاد والعباد.
وجد في قيام كيان صهيوني في فلسطين فرصة لا تعوض، حيث تنفس الصُعداء من كان تحت الضغط والابتزاز، وبالتالي التخفيف من الضرائب التي أرهقت كاهل المواطن الأوروبي الذي يدفع وهو خائف من تبعات عدم دفعه، ومن الآليات أيضاً «معاداة السامية» التي تعتبر كلمة المفتاح لما هو معقد ومتشابك.. أوروبا برمتها وقع على عاتقها الاعتراف بالكيان الصهيوني وهم على دراية بأن هذا المشروع سيكلف الكثير من الدماء والحروب سواءً مع الدول الإسلامية أو العربية، وبالتالي فإن كلفة الدفاع عن الكيان الصهيوني وهو على أرض فلسطين أرحم من تواجده على أراضيهم.
إن انتقال جماعات الضغط اليهودي من أوروبا، والتي تعتبره الأوساط المثقفة والعارفة ببطون الأيديولوجيات، حالة تسمم في جسد القارة العجوز، إلى مشروع قيام كيان صهيوني أرغوني، في قلب الوطن العربي يخدم أغراض وأهداف الحالة السكسونية لأوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعد الحرب الثانية، صحيح أن أوروبا تعافت بعد الحربين وذلك يعود الفضل لأفكار مارتن لوثر، الذي وضع خريطة طريق واقعية لهذه العودة، إلا أن الأفكار الشوفينية السكسونية الكولونيالية لا تزال حاضرة في الذهنية الأوروبية، الوجه القبيح الذي يتستر بقناع الديمقراطية والحضارة والازدهار.
الحالة الأرغونية الصهيونية منذ عام 1948، لا تزال تصيب الجسد العربي الذي يعاني مضاعفات التسمم الصهيوني، من مؤامرات وتوسعه الاستيطاني وخططه المعلنة وغير المعلنة، وإعلانه عن شرق أوسط جديد حسب البارومتر النتنياهي، استكمالا ً لما كتبه ما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني المجرم شيمون بيريز في كتابه « الإسلام الجديد « والذي يقول فيه : علينا أن نغير عقول بعض العرب والمسلمين في نمط جديد هو «الإسلام الحضاري».. طبعا يقصد الإسلام الإبراهيمي، وتعويم الصهاينة فوق كل الطموحات والأهداف العربية بالاقتصاد، وربطهم بصندوق النقد الدولي.
وعلى حسب نظرية البجع الأسود، التي تشير إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث المفاجئة. فإن المخططات والطموحات والأحلام الصهيونية بدأت من حيث المعلن نسبيا ً بالوضوح، لجهة القيادة والريادة والزعامة العسكرية المتطورة، تجلى ذلك بالحرب الأخيرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونجاحها خلال اثنا عشر يوما ً بتصفية شخصيات عسكرية من الصف الأول، بالإضافة إلى قصف المنشآت النووية الإيرانية، ولا تزال تهدد وتتوعد بالمزيد.
بطبيعة الحال هناك الآن مشروعان يشقان طريقهما، الأول المشروع العربي النهضوي والذي تقوده المملكة العربية السعودية بعيدا عن العنف والحروب، عبر ما يسمى رؤية 2030 لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إذ تعتمد هذه الرؤية على تصفير المشاكل وإعادة العلاقات، ووضع الأهداف التنموية والمشاريع الاقتصادية فوق كل اعتبار.. أضافت السعودية شرطا ً للتطبيع مع الكيان الصهيوني، الاعتراف بدولة فلسطين. أما المشروع الآخر هو مشروع الشرق الأوسط وضرورة الهيمنة العسكرية والاقتصادية، تقوده إسرائيل مع تحفظ الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترى أن المشاغبات وخروج إسرائيل عن التعليمات الأمريكية قد تضر بالعلاقة بينهما، على اعتبار النظر للمشروع الأول أفضل من حيث الدبلوماسية والحفاظ على العلاقات مع دول المنطقة وخصوصا بعد انخراطها والتفاهمات الأولية على السلام الإبراهيمي.
ملامح التصادم بين المشروعين يعود لطبيعة الكيان الصهيوني السيكوباتي، إذ يرى هذا الكيان ضرورة التطبيع مع أغلب الدول العربية وعلى رأسها السعودية، مع إقناعها بتصفية القضية الفلسطينية وإلغاء الأحلام والأهداف للشعب العربي الفلسطيني، وإلحاقه بالمشروعات الاقتصادية الكبرى، وتحويل شعبه بالكامل إلى أيدي عاملة، وبالتالي القفز إلى شرق أوسط جديد، تتزعمه والولايات المتحدة، وقيادته والانتقال به من ساحة مواجهة، إلى ربطه بالتحديات التي تواجه واشنطن وخصوصا ً الصين وتوسعها الاقتصادي، ناهيك عن التهديد الوجودي من تبعات الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا ومن خلفها الغرب.
ما يحتاجه الوطن العربي بشكل مُلّح وعاجل، الوقوف على التحديات وضرورة المعرفة الحقيقية لهذه التهديدات التي تستهدف الهوية العربية والإسلامية، ورحم الله من قال: اعرف عدوك، واعرف نفسك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور محمد عياش – كاتب وباحث سياسي
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
