بقلم الأستاذ عبدالرحمن محمد محمد غزالة*
المقدمة
مساحة إسرائيل صغيرة جدًا ويجب زيادتها — هذا كان جزءًا من تصريح الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب عن الحليف الأوثق لبلاده إسرائيل، ولكن هذا ليس مجرد تصريح فارغ، إنما هو في الحقيقة عين الحقيقة؛ تصريح ينم عن معرفة جيوسياسية كبيرة وبنقاط قوة وضعف الدولة التي يتحدث عنها. وليس هو وحده؛ فقد سبقَه في مثل هذا الادعاء كلٌّ من ميكيافيلي وراتزل. فميكيافيلي في كتاب الأمير نصح الأمير بالتوسع قائلاً: إن الدول التي لم تستغل قوتها العسكرية في زيادة مقدراتها والاستيلاء على الدول الأخرى كان مآلها إلى الزوال. وراتزل أيضًا كانت لديه فكرة “المجال الحيوي” التي ترى أن الدول عندما تتوسع يجب أن تتوسع للحفاظ على هذا المجال وحماية برها الرئيسي. ولهذا سوف نرى ما هو السبب الذي حرك النزعة التوسعية التي نراها لدى إسرائيل الآن.
الخلفية التاريخية للصهيونية
إن الصهيونية باختصار تقوم على فكرة مفادها أن اليهود كانوا مضطهدين لأنهم كانوا مشتتين في جميع أنحاء الأرض، لذلك يجب أن يُجمَع شتاتهم من أصقاع الأرض من أجل إنشاء دولة يهودية على أرض الميعاد. بالتأكيد قادة الحركة الصهيونية لم يكترثوا بقدر أنملة حول قدسية المكان، إنما كانوا يستخدمون الأراضي المقدّسة لا لشيء سوى كسلاح لإقناع اليهود بفكرتهم. ولكن هناك أمر هام في تعريف الصهيونية (ألا وهو: إنشاء وطن قومي لليهود فقط) فلا وجود لعرقية أخرى تنافسهم في نفوذهم، وهنا ظهرت مشاكل عدة:
1-السكان الأصليون أنفسهم.
2-الدول العربية الأخرى.
3-السبب الأهم: مساحة الدولة، التي تُصنَّف كدولة متناهية الصغر، وشكل الأراضي الفلسطينية — دولة مستطيلة تقريبًا ويحتل الساحل الجانب الغربي من حدودها — ما يجعلها في وضع دفاعي سيئ.
الهجرة وتغيير التركيبة السكانية
وانطلاقًا من الأثر الجغرافي والعامل السكاني، وجدت إسرائيل ضالتها في تطبيق مبادئ الجيوبولتيكس. فمع الإعلان عن وعد بلفور عام 1920م زادت هجرات اليهود القادمين من جميع أنحاء العالم، وتحديدًا من شرق أوروبا، والتي ازداد تدفقها بشكل كبير من 1922م حتى عام 1947م، فأدت إلى زيادة أعداد اليهود بطريقة كبيرة. وهؤلاء القادمون الجدد كانوا يعلمون أن عليهم التخلص من سكان الأرض الأصليين، لذلك عملوا على فعل أمرين من شأنهما تغيير التركيبة السكانية.
أولًا: التهجير الفلسطيني
تهجير الفلسطينيين، خاصة بعد رفض معظمهم بيع أراضيهم؛ فمنذ بداية المشروع الاستيطاني كان يحدث تهجير وإحلال للقرى التي هُجّر منها الفلسطينيون، ولعب هذا دورًا محوريًا منذ بدايات قيام دولة إسرائيل حيث ساهم في تغيير التركيبة السكانية والديموغرافية للأراضي الفلسطينية ، حيث هُجِّر ما يزيد عن 700 ألف فلسطيني من الأراضي الفلسطينية مع حدوث النكبة، وحتى الآن يوجد ما يزيد عن 5.9 مليون فلسطيني. ولا ننسى مخطط التهجير الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر؛ فقد صرّح الرئيس الأمريكي أن ذلك سيضمن تحويل غزة إلى “ريفييرا الشرق الأوسط” وتحويل أوضاعها إلى أوضاع غير قابلة للعيش. كل هذا يُعرض كمخطط لإعادة استيطانها وتصفية المسألة الفلسطينية من جذورها، لأنه عندما يُفقد الإقليم والشعب والسلطة، فعن أي دولة نتحدث؟
ثانيًا: بناء المستوطنات
بناء المستوطنات من أجل مد جذورهم بهذه الأراضي. ويحضُرنا هنا نصيحة ميكيافيلي للأمير حين أخبره: «إذا كنت محتلًا فقم ببناء المستوطنات، فهي تمد جذورها في الأرض وتندمج في المجتمع.» وقد فهم المستوطنون الأوائل ذلك جيدًا؛ فمن عام 1882 إلى عام 1884 أسس الروّاد الصهاينة ست مجتمعات زراعية شبه متعاونة (moshavot)، وتطوَّر معظمها لاحقًا إلى مدن حديثة مثل Rishon LeZion وPetah Tikva وGedera وZikhron Ya’akov. بحلول عام 1903، كان هناك 28 موشافوت في فلسطين. وكانت المصاعب الجسدية في ذلك الوقت سببًا في عودة بعض الروّاد إلى بلادهم، فكان معدل الدوران في الموشافوت مرتفعًا جدًا. لكن هذه الموجة المثالية من الاستيطان الزراعي أطلقت ما أصبح “معجزة الزراعة الإسرائيلية” بقيادة حركات الكيبوتس والموشاف. وكان هذا يحدث بالتوازي مع سياسات التهجير، والتي نرى بعضها في الضفة الغربية؛ ففي عام 2023 تم إنشاء حوالي 26 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية وفقًا للمنظمات الميدانية التي ترصد التوسع الاستيطاني، وذلك على الرغم من توقيع اتفاقية أوسلو التي حدّدت بشكل قاطع نطاق سلطة السلطة الفلسطينية.
التهديد الإقليمي والعقيدة الأمنية
الإقليم الفلسطيني المحتل أو الإسرائيلي — أيا كانت تسميته — محاط من كل جانب بالدول العربية وشعوبها منذ تأسيسه في عام 1947م. وهو كيان مكروه من جيرانه، وفي ظل عقيدة أمنية قائمة على البقاء وأن الكيان الإسرائيلي مهدد على الدوام يظهر هذا بوضوح، فتُعطى الأولوية لتقوية الدفاعات الجوية مثل “القبة الحديدية” و”السماء الحديدية” ذات الطبقات المتعددة التي تحمي الأجواء كدرع أساسي، مع اعتماد قوي على السلاح الجوي كأداة هجومية رئيسية. في الحقيقة وجد الكيان الإسرائيلي ضالته في سلاح الجو، إذ يعلم أنه بالمقارنة مع جيرانه العرب لا يملك الميزة العددية أو مقدار الموارد، لذلك يمثل السلاح الجوي الحصان الأسود الذي يقوّي ميزته الاستراتيجية. وكانت أول تجربة لمدى فاعلية هذا السلاح في حرب 1967م (النكسة) التي استهدفت فيها إسرائيل مصر وسوريا واحتلت المزيد من الأراضي بما فيها الضفة وغزة. وعلى الرغم من قرارات الأمم المتحدة ودعوات حل الدولتين، تبنّت إسرائيل عقيدة “المجال الحيوي” أو ما يُروّج إعلاميًا باسم “إسرائيل الكبرى” بهدف حماية الأراضي الأساسية واتباع مفهوم “الدفاع في العمق”: السماح بوجود تهديدات على الأطراف ثم التعامل معها من العمق لتعطي الوقت لإعادة ترتيب الصفوف والهجوم المضاد. يمكن اختصار الفكرة في مصطلح “إسرائيل الكبرى” الذي يتضمن أجزاء من مصر وسوريا ولبنان والأردن و أجزاء أخرى من المملكة العربية السعودية . ومنذ السابع من أكتوبر بدا هذا الطموح أقرب إلى التحرك عمليًا؛ فقد شهدت المنطقة تداعيات كبرى شملت تدخلات واحتلالات محلية وإقليمية، وتغيّرات في موازين القوى، احتلال مناطق في سوريا والوصول إلى جبل الشيخ و خاصة بعد وصول احمد الشرع إلى رأس السلطة في سوريا بدعم تركى أمريكى نوعاما وتعهده بتقليص دور ايران خلال مقابلته لترامب ودعم إسرائيل للدروز في السويداء والدعم الأمريكي لقسد في شمال شرق سوريا وذلك للبدء في أول خطوة نحو إسرائيل الكبرى فيما يعرف باسم (ممر داوود) ،ضرب ايران في حرب الاثنا عشر يوما وتحييد حزب الله في لبنان وبل التوغل في مناطق لبنانية واغتيال حسن نصر الله وقادة الحزب معه وتفجيرات البيجر ،وفى غزة حتى الآن دمرت 70% من قدرات حماس واحتل ما يربوا من 70% من أراضيها واغتيل اثنين من أهم قادتها (السنوار وهنية و الضيف).
البعد الجغرافي والتضاريس كأداة توسعية
من المهم أيضًا التركيز على التضاريس والحواجز الطبيعية. سنضرب مثالين:
أولًا: احتلال مرتفعات الجولان التي تمثّل رادعًا لأي هجوم آتٍ من سوريا، وتمنح السيطرة على طرق وصول البرّ.
ثانيًا: احتلال مرتفعات جبل الشيخ التي تبعد نحو 25 كم عن دمشق، ونُصِبت عليها منظومات دفاعية وهجومية قادرة على فرض تهديد جوي أو بري على المناطق المحيطة. هكذا تصبح دول مثل سوريا والأردن والعراق في موقف بين مطرقة وسندان أمام إمكانيات الردع الإسرائيلية.
الخاتمة
ختامًا: أمورًا مثل المساحة والحجم والشكل والموقع تدفع الدولة إلى تبنّي سياسات بعينها كما هو حال إسرائيل وسياستها التوسعية. هذا يؤكد ما قدمناه سابقًا بأن الجغرافيا هي العامل الأكثر حسمًا في السياسة الدولية؛ فهي تجسيد لنقاط قوة الدولة وضعفها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ عبدالرحمن غزالة – كاتب وباحث سياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
