بقلم الدكتور يونس الديدي*
تتحول غزة إلى مختبر علني لوحشية ممنهجة. فالجوع، أقدم أسلحة التاريخ وأكثرها قسوة، لم يعد أثرًا جانبيًا للنزاع، بل غدا إستراتيجية عسكرية مقصودة تُستخدم لإخضاع مجتمع كامل. منذ مطلع 2025، شددت إسرائيل حصارها على القطاع، فحُرم أكثر من مليوني إنسان من الغذاء والدواء والوقود، لا بهدف الضغط العسكري فحسب، بل لعقاب جماعي يحوّل الحياة إلى صراع على فتات البقاء، ويترك الأطفال هياكل بشرية شاهدة على قسوة قرن يصف نفسه بالمتحضّر.
الأرقام تفضح المشهد بلا مواربة: أكثر من 113 وفاة موثقة بسبب الجوع وسوء التغذية، 81 منها لأطفال لم يختبروا من الحياة إلا الألم، فيما يعاني عشرات الآلاف من سوء تغذية حاد يهدد حياتهم. المستشفيات، التي تعمل بأدوات شبه بدائية، عاجزة عن استقبال سوى الحالات الحرجة، بينما يمضي ثلث السكان أيامًا بلا وجبة كاملة. هذه ليست نتائج عَرَضية، بل سياسة تستهدف البنية الاجتماعية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وتجعل من الجوع أداة إذلال جماعي.
الصمت الذي يقتل: تواطؤ دولي وعربي مكشوف
لا تكمن المأساة في فعل الاحتلال وحده، بل في الغياب المروّع لأي إرادة دولية أو عربية لوقف الكارثة. باستثناء تحذيرات لفظية من بعض العواصم – مثل تصريح وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي عن احتمال فرض عقوبات – لم تُتخذ أي إجراءات ملموسة: لا عقوبات اقتصادية، لا حظر سلاح، ولا آليات لإنفاذ قرارات محكمة العدل الدولية أو مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة الاحتلال.
أما الدول العربية، فاكتفت ببيانات شجب رتيبة، فيما واصلت معظم الحكومات تعاملها الطبيعي مع إسرائيل، وكأن صور الأطفال الجائعين مجرد ضوضاء إعلامية. هذا الصمت المزدوج، الدولي والعربي، يتحوّل إلى شراكة غير معلنة، تمنح الاحتلال شعورًا بالحصانة المطلقة، وتبث رسالة قاتلة: القوانين الدولية مرنة حين تصطدم بالمصالح، ودماء الأبرياء يمكن أن تُهمل بلا ثمن.
وصمة على جبين القرن: أين تختبئ الإنسانية؟
تحت ضغط الانتقادات الإعلامية، حاولت إسرائيل تجميل المشهد عبر إسقاط كميات محدودة من الغذاء جوًا في أواخر يوليو 2025 – لا تكفي سوى لساعات – وأعلنت هدنة قصيرة لإعادة تشغيل محطة تحلية المياه الوحيدة في غزة. لكنها خطوات لا تغيّر شيئًا في حقيقة أن الحصار قائم، والمجاعة تتفاقم، وأعداد الضحايا تجاوزت 59 ألف قتيل، معظمهم نساء وأطفال.
لكن هذه الإجراءات لم تغيّر شيئًا من واقع الكارثة: الحصار ما زال خانقًا، المعابر مغلقة، الإمدادات الإنسانية تدخل بكميات رمزية لا تفي بأدنى الاحتياجات، والأهم أن المجاعة تستمر في الاتساع، حيث تشير تقارير حديثة إلى أن أكثر من 60% من سكان القطاع يعيشون في “مستوى انعدام أمن غذائي حاد”، وهو مصطلح تستخدمه الأمم المتحدة عادة لوصف المجتمعات المهددة بالانهيار الكامل.
أما أعداد الضحايا، فقد تجاوزت 59 ألف قتيل منذ بدء الحملة الإسرائيلية، معظمهم من النساء والأطفال، وفق تقارير محدثة صادرة عن وزارة الصحة في غزة وأكدتها منظمات دولية. هذا الرقم لا يشمل الوفيات غير المباشرة الناتجة عن الجوع والأمراض المرتبطة بسوء التغذية، والتي قد تضاعف الحصيلة خلال الأشهر المقبلة إذا استمر الحصار. ما يزيد فداحة المشهد هو أن هذه الأرقام لا تُمثّل مجرد “تكلفة حرب”، بل نتيجة مباشرة لسياسة مُعلنة تستهدف المدنيين عبر حرمانهم من مقومات الحياة الأساسية.
هذه الخطوات “التجميلية” التي تقوم بها إسرائيل تكشف عن مفارقة أخلاقية عميقة: فهي تحاول الظهور أمام المجتمع الدولي كطرف “مسؤول” يقدم المساعدات، بينما تواصل فرض الشروط نفسها التي تجعل هذه المساعدات بلا أثر حقيقي. إنها لعبة سياسية تهدف إلى امتصاص الغضب الدولي، وتفادي ضغوط محتملة لفرض عقوبات أو تدخلات قانونية، من دون أي نية لإنهاء الحصار أو معالجة جذور الأزمة.
هذه المأساة لن تُسجّل في كتب التاريخ كحرب عابرة، بل كفضيحة أخلاقية عالمية. إن لم تتحرك الدول، خصوصًا العربية والإسلامية، لفرض عقوبات اقتصادية وتجارية، ووقف التعاون العسكري مع الاحتلال، والاعتراف العملي بفلسطين بما يتجاوز الشعارات، فإن الجوع سيبقى سلاحًا مشروعًا بعيون المعتدين. وستظل غزة، بأطفالها الجائعين وخرائبها الصامتة، شاهدًا على أن حضارتنا المعاصرة قادرة على إنتاج وحشية تفوق وحشية أي عصر مضى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور يونس الديدي – كاتب صحفي، محاضر وأستاذ جامعي، باحث في الشؤون السياسية.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
