بقلم الدكتور آصف ملحم*
سنناقش في هذه المقالة التصعيد في الشرق الأوسط، وما إذا كان من الممكن أن يُشعل سلسلة من الآثار السلبية على الاقتصاد العالمي.
إنّ أي ضربة أمريكية على إيران، وما يتبعها من حصار لمضيق هرمز، حتى لو كان جزئيًا وقصير الأجل، من شأنها أن تُحوّل سوق النفط فورًا من سوق متوازن إلى سوق يسوده الخوف، إذ يمرّ عبر المضيق ما يصل إلى ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. فلن يبدو ارتفاع سعر النفط إلى 150-200 دولار للبرميل على مدى عدة أشهر أمرًا غريباً في هذه الحالة، لأنّ العرض لن يُوازي الطلب بنسبة الربع.
مع ذلك، فإنّ رد فعل النظام المالي أهم بكثير من صدمة النفط نفسها. فالارتفاع الحاد في أسعار الطاقة سيزيد تكاليف المنتجات فورًا في جميع مراحل سلاسل التوريد العالمية، من النقل والصناعة إلى الغذاء والخدمات.
لتجنب حالات الإفلاس والتراجع الحاد في الاستهلاك وعدم الاستقرار الاجتماعي، ستضطر الحكومات والهيئات المالية إلى ضخ المزيد من السيولة في السوق. وهكذا ستزيد المصارف من عمليات الإقراض، وسترفع الحكومات مستوى عجز الميزانيات وسقف الدين الخارجي، وستسمح البنوك المركزية فعلياً بنمو الكتلة النقدية المعروضة وتحفزها، حتى وإن لم تعلن رسمياً عن أي حوافز.
الأثر الأكبر في هذا السيناريو يرتبط بموقف الاحتياطي الفيدرالي، حيث يتم تداول النفط حالياً بالدولار بشكل أساسي. يركز كيفن وارش، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، على خفض أسعار الفائدة والحفاظ على الاستقرار المالي بأي ثمن، لذلك من المستبعد أن يتم تقليص السيولة النقدية. بناءً على ذلك، لن تكون أولويته مكافحة التضخم، بل منع الضغوط على النظام المالي والحفاظ على فرص العمل وخدمة الدين العام.
حتى لو كانت صدمة النفط مؤقتة، فإن المعروض النقدي سيبقى في السوق، ولن ينكمش بعد زوال الصدمة. فبعد فتح مضيق هرمز، سيختفي “أثر الحرب”، وستعود الخدمات اللوجستية إلى طبيعتها، وقد تعود أسعار النفط بسرعة نسبية إلى نطاق 70-80-90 دولارًا للبرميل. رسميًا، سيخف الضغط التضخمي الناتج عن الطاقة، وسيُظهر مؤشر أسعار المستهلك تباطؤًا في نمو أسعار الوقود والكهرباء. مع ذلك، فإن المعروض النقدي الذي تم إصداره سابقًا لن يختفي؛ فهذا المعروض لم يُصدَر “من أجل النفط”، بل لدعم كل مفاصل الاقتصاد!
نتيجة لذلك، فهذه الأموال سيتم توزيعها في جميع نواحي الاقتصاد، وسينتقل التضخم من قطاع الطاقة إلى نطاق أوسع من السلع والخدمات. سترتفع أسعار الإيجارات والرعاية الصحية والتعليم والخدمات وغيرها من السلع والخدمات. وسيتكرر هذا التأثير الكلاسيكي الذي شهدناه خلال جائحة كوفيد-19، حيث تترك صدمة العرض المؤقتة بصمة نقدية مستمرة، وبالتالي تضخمًا مرتفعًا مع تعافي العرض وانخفاض التكاليف.
هذا السيناريو شهده العالم في سبعينيات القرن الماضي، إذ أدت صدمات النفط في عامي 1973 و1979، الناجمة عن حظر منظمة أوبك والثورة الإيرانية، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. في البداية، اعتُبر هذا عاملاً خارجياً لا علاقة له بالسياسة النقدية المحلية. إلا أنه، وللحد من ارتفاع التكاليف، انتهجت حكومات الولايات المتحدة وأوروبا سياسات مالية ونقدية متساهلة. نما المعروض النقدي، وبقيت أسعار الفائدة دون معدل التضخم لفترة طويلة، وأدى ترقب إمكانية تجاوز صدمة النفط إلى تحولها إلى تضخم واسع النطاق وطويل الأجل. إذ أن التضخم لم يختفِ بعد استقرار أسعار النفط. بل على العكس، أصبح أكثر استقراراً وأقل اعتماداً على الآثار المرتبطة بالمواد الأولية، لأن الاقتصاد كان مشبعاً بالفعل بالسيولة النقدية، وكانت توقعات التضخم شبه ثابتة.
يعتقد البعض أن التغيير الجذري في السياسة النقدية في أوائل الثمانينيات، المصحوب بارتفاع حاد في أسعار الفائدة والركود عميق، هو وحده القادر على كسر هذه الآلية. لكن في الواقع، نعلم أن التكاليف انخفضت بفضل نقل الصناعات إلى دول ذات تكلفة أقل.
إذا تجنّب الاحتياطي الفيدرالي اللجوء إلى العلاج بالصدمات، مفضلاً خفض أسعار الفائدة والتخلي عن تقليص السيولة، فسيكون الوضع النهائي أقرب إلى أواخر السبعينيات منه إلى أوائل الثمانينيات. قد تنخفض أسعار النفط، لكن التضخم لن يكون ناتجاً عن نقص السلع، بل عن فائض المعروض النقدي في الاقتصاد. وبهذا المعنى، تُصبح الأزمة الجيوسياسية المؤقتة حافزاً لفترة تضخمية طويلة الأمد، يصعب الخروج منها سياسياً واقتصادياً.
في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن زيادة المعروض النقدي لتمويل ارتفاع أسعار النفط لا تعني بالضرورة ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين فوراً. فقد ترتفع الأسعار تدريجياً، أو قد لا ترتفع إطلاقاً طالما بقيت أسعار النفط مرتفعة، إذا بقيت قدرتهم الشرائية ثابتة. علاوة على ذلك، قد نشهد أيضاً انخفاضاً في أسعار الأصول المالية، حيث قد يبدأ السكان في إنفاق مدخراتهم.
لكن إذا ارتفعت الأسعار ولم تتكيف الأجور، فإن كمية السلع والخدمات التي يستهلكها السكان ستنخفض، وهذا مؤشر واضح على التراجع الاقتصادي. لهذا السبب لا بد من فصل السياسات النقدية الحكومية المذكورة أعلاه عن العجوزات المتزايدة في الموازنات. لأنه لحل هذه المشكلة، سيتعين عليهم إعادة توزيع الأموال من عجز الموازنة المتزايد على السكان لتحفيز الاقتصاد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*مدير مركز JSM للأبحاث و الدراسات (موسكو).
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
