بقلم الدكتورة آسيا يوسف*
(نص القصيدة في الملحق)
دراسة درامية:
بعد التعمق في القصيدة رأيت أن أدرسها درامياً لأحيط بالمشهد والحالة، فقد بنت الشاعرة قصيدتها على مونودراما؛ فهي تخاطب البلد و كأنها شخص تستدعيه في ظاهرة القناع، والقرّاء يطالعون المشهد العام فنحن في زمن الخراب و كأس البلد يُرفع الآن، لكنه ليسَ كأس فرحٍ بل كأس علقم و دم و رمد، و الشاعرة تتكلم في حضرة الموت تحاسب و تودع.
يتصاعد المشهد الدرامي:
-من الافتتاح بالاستفهام الموجوع (ماذا تبقى يا بلد) وتطرح السؤال مرتين، و هي لا تريد جواباً بل صدمة، لأنَّ كلّ شيءٍ تمزق الأشرعة و الذاكرة و اليد.
-ونصل إلى الذروة في مواجهة الوجه المقدود في قولها:
(يا وجهك المقدود من رئة الجلد) فقد تحولت البلد إلى جسدٍ مُشوه (رئة الجلد) فالبلد تتنفس من خلال الجرح نفسه بمنتهى الألم.
-ونأتي إلى المقارنة بين المنافي:
(شتان ما بين المنافي)، تضع الشاعرة منفى الجسد مقابل منفى الروح، فترى منفاها منفى عاشقٍ يصلي على (تُرب الكمد)، وترى في صلاتها أرحم من منفى البلد.
-و في الختام تشرب النخب: فقد تحولت الشاعرة إلى خطيب جنائزي (نخب الرمد… نخب الزرد… نخب الأحد)، فهي ترفع الكؤوس للخراب نفسه ثم تختم بقولها: (يا ملحَ أمي) في عودةٍ للحنان الأوّل للأصل و الرحم.
أما الشخصيات:
نرى الشاعرة ممزقة تبحث عن مدد حتى في أناها فقد صارت عيناها “قرصانين”.
و الشخصية الثانية البلد التي غدت أنثى مجروحة؛ وجه مقدود، حلمة سمراء، علقم، ضحية و جلاده بنفس الوقت؛ و شخصية الأم التي هي رمز الأصل و الملح و آخر نقطة نقاء.
و لابدَّ لي من المرور على دراسة شبكة الرموز، فقد رفعت الشاعرة بنائها الدرامي على قلب المعاني و تحويل المقدس إلى مجروح:
-رمزت كأس البلد بكأسٍ يُشرب، فما سقاه الوطن لأبنائه من مرارةٍ هو كأس نخبٍ للموت.
-رمزت (الأشرعة و الزبد) بمراكب البحر التي ما هي إلا الأحلام و الآمال، فقد تمزقت كلها ولم يبقَ إلا زبدٌ فارغ.
-أما الوجه المقدود من رئة الجلد فقد تراءى لي كوجهٍ مجروحٍ لوطنٍ يتنفس من جراحه فقد تشكلت الهوية من الألم و الدم.
-الحلمة السمراء: رمز الأم و الأرض و رمز الخصب و العطاء، لكن ضرع النائبات أوكاه، فقد جفَّ حليب الأم من الحزن.
-أما العلقم فهو الطعم المرّ لتجربة الوطن و الشاعرة تشربه و يشربها في نفس الوقت “فأرشفه و ترشفني السلاسل”.
-أما الخيام و الوتد فنراها بين البدو و الاستقرار، إذ طارت خيام الراعفين مما يشي بالتشرد، و انكشف الوتد أيّ انكشف الثبات والأصل.
-و في نخب الرمد و الزرد نرى نخباً ساخراً نخباً للعمى “الرمد” وللعبودية “الزرد” وللوحدة “الأحد”، وكأنها تحتفل بالدمار.
-العينان قرصانين فقد فقدت العين براءتها و صارت تنهب و تسرق النوم و الراحة و الجسد “انتبذ” اعتزل.
-و في صورة ملح أمي: نرى الملح آخر شيءٍ باقٍ من الطهارة و الملح يحفظ من العفن وهو الترياق الوحيد ضدّ السّعار.
أهم دلالات القصيدة قلب الطقوس، فقد قلبت الشاعرة البياتي كلّ ما هو احتفالي، فقد انقلب النخب فصار رمد و أصبحت الصلاة على ترب الكمد، العسجد أي ذهب فيهمي من الحلمة لكن في زمن النائبات والشاعرة تكفر بالاحتفال.
-جسدتِ الشاعرة البلد فهي ليست تراباً بل جسد امرأة و وجه مقدود و حلمة سمراء و ملح أمي.
-خيانة الوطن أضحت كخيانة الأم لذا الألم مضاعف.
-توحي بموت الذات: حتى أنا و أناي نبحث في أنانا عن مدد، فقد انقسمت الذات و صارت العينان قرصانين فماتت البراءة ولم يبقَ للشاعرة إلا النخب لنفسها الأخير.
فالقصيدة درامية ترثي حياً وليس ميتاً فهي ترثي بلد حياً لكنه ميت المعنى.
ــــــ
الملحق (نص القصيدة)
ماذا تبقّى يابلدْ
الموت صاحبةٌ
وذاكرتي ولدْ
ماذا تبقّى غير أشرعة يمزّقها الزبدْ
ويدي تبعثر في يدي كحل الأبد
حتى أنا وأناي نبحث في أنانا عن مدد
ياوجهك المقدود من رئة الجلدْ
شتّان مابين المنافي
يانبيّ الحرف
مابين استخارة عاشقٍ
صلىّ على تُربِ الكمدْ
متضرعاً (للحلمة السمراء
تهمي عسجدا)
لكنّ ضرع النائبات على مشيب العصر
أَوْكَى واتّقدْ
آهٍ …بلدْ
يا علقماً يسري على شفتي
فأرشفه ….
وترشفني السلاسل والزردْ
البحر أبعد مايكون عن النهاية
يادمي
طارت خيام الراعفين هناك وانكشف الوتدْ
ارفع نجيعك يابلدْ
نخب الرمدْ
نخب الزبدْ
نخب الزردْ
نخب الوتدْ
نخب الكمدْ
نخب الأحدْ
نخب الذين توسدوا نومي
فصلّت…
في عيون أحبتي سور الرمدْ
نخبي أنا…
إذ صارت العينان قرصانين
وانتبذ الجسد
آهٍ…بلدْ
يا ملح أمي
والسُعار يدور أقداحاًعلى صوم الأمدْ.
بقلم الشاعرة ريم البياتي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتورة آسيا بديع يوسف – باحثة و ناقدة، دكتوراه في النقد الأدبي الحديث، مديرة ملتقى عشتار الثقافي وعضو إتّحاد الأدباء العرب في العراق.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
