إعداد المهندسة سارة ملحم*
برعاية رئيس جامعة تكريت، نظمت مؤسسة BRC العلمية، بالتعاون مع جامعات ومؤسسات علمية عراقية وعربية، بتاريخ 13 سبتمبر 2025، ملتقىً علمياً حول الساركوما و كيفية التعامل مع هذا المرض النادر، كانت مداخلات ومساهمات الضيوف والمشاركين غنية بالتوصيات والمقترحات التي قد تسهم في زيادة الوعي في المجتمع حول كيفية التعامل مع هذا النوع من الأمراض كونه من الأمراض النادرة، التي يصعب كشفها في مراحلها الأولى بسبب تشابه أعراضها مع أعراض أمراض أخرى.
يُعَدّ مرض الساركوما من الأورام النادرة نسبياً، وهو نوع من السرطان ينشأ في الأنسجة الصلبة مثل العظام، العضلات، الدهون، والأوعية الدموية. وتمثل الساركوما تحدياً طبياً كبيراً نظراً لتنوع أنماطها وصعوبة تشخيصها في مراحلها المبكرة، إذ قد تتشابه أعراضها مع أمراض أخرى أكثر شيوعاً. وعلى الرغم من ندرتها، فإنها تُصيب الأطفال والبالغين على حد سواء، وتؤثر بشكل مباشر في نوعية حياة المريض وعائلته. من هنا تأتي أهمية الوعي بخصائص هذا المرض وطرق تشخيصه المبكر وخيارات العلاج المتاحة، لما لذلك من دور محوري في تحسين فرص الشفاء وتقليل المضاعفات.

افتتح الملتقى الدكتور ميثاق بيات الضيفي، مدير مؤسسة BRC العلمية ورئيس الملتقى، بقوله : “كيف للعالم أن يجرأ على التباهي بالتقدم بينما يترك النساء يواجهن مرضاً قاتلاً مثل الساركوما”. كما أوضح الدكتور الضيفي أن “هذا الورم الخبيث ليس ورم في جسد المرأة فقط، بل في ضمير البشرية، وليست مجرد خلايا متوردة بل فضيحة للمجتمع”. ولفت الدكتور الضيفي إلى أن “الألم الناتج عن الساركوما لا يتوقف عند حدّ المعاناة الجسدية، بل يتجاوز ذلك ليكشف عن إشكاليات ثقافية ومجتمعية أعمق. فالمصابة لا تفقد صحتها فقط، بل تُسلب إنسانيتها عندما يُنظر إلى مرضها بتجاهل أو إهمال. واعتبر أن هذا البعد الإنساني يمثل مسؤولية جماعية تتجاوز الطب إلى ضمير المجتمع بأسره”.
وفي سياق متصل، انتقد الدكتور الضيفي الدور الإعلامي الضعيف تجاه هذا المرض، مشيراً إلى أن “الإعلام حين يخشى مواجهة الحقيقة يتحول إلى شريك في الجريمة. فبينما تُخصص الملايين لحملات التوعية بسرطانات أخرى كسرطان الثدي، تبقى الساركوما في الهامش، بالكاد يُذكر اسمها”. واعتبر أن “هذا الإهمال الإعلامي يفاقم من معاناة المريضات”، داعياً إلى “إعلام مسؤول يرفع الصوت بجرأة، لأن صحة المرأة تمثل خط الدفاع الأول عن إنسانية المجتمع، وإهمالها يعد انهياراً أخلاقياً خطيراً”.
أما الأستاذ الدكتور عمر نجم الدين أنجه، عميد كلية الآداب في جامعة كركوك (العراق)، فلقد تطرق إلى طرق التعامل مع هذا المرض، و شدّد على أن “هذا المرض يختلف عن غيره من الأورام، إذ يرتبط بأنسجة محددة مثل العظام والعضلات والأعصاب، مما يجعله بحاجة إلى اهتمام خاص ونهج علاجي دقيق. وأوضح أن “التشخيص المبكر هو العامل الأساسي في نجاح العلاج، سواء كان جراحة أو علاج إشعاعي أو كيماوي، وأن الالتزام الكامل بالخطة العلاجية التي يضعها الأطباء يرفع فرص الشفاء التام بشكل كبير”.
كما أكّد الدكتور أنجه أن “التعامل مع الساركوما لا يقتصر على الجانب الطبي، بل يشمل أيضاً رفع مستوى التثقيف الصحي ونشر الوعي في المؤسسات التعليمية والتربوية، لتكوين مجتمع واعٍ يمكنه مواجهة المرض بالمعرفة والوعي، وليس بالخوف أو الوصم الاجتماعي”. ولفت إلى أن “تجاهل هذه الأمراض أو نقص المعرفة عنها يشكل خطراً كبيراً قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة أو الموت المفاجئ”، مشدداً على أن “الثقافة والمعرفة والالتزام بالعلاج هي خط الدفاع الأول لضمان صحة المريض وحماية إنسانية المجتمع”.
قدّمت الدكتورة ندى عبدالرحمن أوشاح، أخصائية العلاج بالأشعة ودراسات عليا في قسم الأورام السريرية بكلية الطب في جامعة عين شمس (مصر)، تعريفاً شاملاً للساركوما على أنها “نوع نادر من السرطانات ينشأ في الأنسجة الضامة بالجسم، مثل العظام، الغضاريف، العضلات، الأعصاب، الأنسجة الدهنية، والأوعية الدموية. وأشارت الدكتورة أوشاح إلى أبرز أنواع الساركوما، منها: “الساركوما العظمية، ساركوما إوينغ، الساركوما العضلية المخططة، وأورام الجهاز العظمي اللحمية”. وأوضحت أن “الأعراض المبكرة غالباً غير مؤلمة، وقد تظهر على شكل كتلة ورمية أو كسور عظمية دون سبب واضح، مما يصعب التعرف على المرض في مراحله الأولى، و للفحص المبكر والتصوير الطبي المتقدم باستخدام التصوير المقطعي والتصوير بالرنين المغناطيسي أهمية كبيرة”.
أما بالنسبة للعلاج، فأكدت الدكتورة أوشاح أن “الجراحة تشكل الأساس في علاج معظم حالات الساركوما، مع ضرورة استئصال الورم بشكل كامل، وقد تُتبع بإجراءات ترميمية إذا كان الورم في الأطراف أو الوجه”. كما تطرقت إلى العلاج الإشعاعي، العلاج الكيميائي، العلاج الموجه، والعلاج المناعي، مشددة على أن “النهج متعدد التخصصات يوفر أفضل فرص للشفاء وتحسين نسب النجاة، مع الالتزام بخطط العلاج والمتابعة الدقيقة لكل حالة”.
قدّمت الدكتورة رهف عقل رجوب، الأستاذة في كلية العلوم الصحية بجامعة البريمي (سلطنة عمان)، رؤية شاملة حول الساركوما، موضحة أنها “ورم نادر ينشأ في أنسجة متنوعة ويحتاج إلى اهتمام خاص وجهود كبيرة ووعي أكبر للتعرف على علاماته التحذيرية مبكراً”. وأشارت إلى أن “تشخيصه صعب بسبب تداخل أعراضه مع أمراض أخرى، وأن الفحص السريري وتقييم حجم الكتلة والفحوص النسيجية المبكرة تعد أساسية لتحديد حجم الورم ونوعه ووضع خطة علاجية دقيقة”.
كما تناولت الدكتورة رجوب أنواع الساركوما، مشيرة إلى أن ساركوما الأنسجة الرخوة أكثر انتشاراً بين الأطفال، بينما تؤثر الساركوما العظمية بشكل كبير على العظام وتتطلب علاجات شمولية. وفيما يخص النساء، أشارت إلى أن الساركوما الرحمية نادرة جداً، وساركوما الأنسجة الرخوة تمثل 1% من جميع سرطانات الثدي الخبيثة. وأكدت الدكتورة رجوب على أهمية نشر الوعي الصحي والتثقيف المجتمعي حول المرض، مشيرة إلى أن “ندرة الساركوما تحدّ من الخبرة الطبية المتاحة وتزيد من احتمالات التشخيص الخاطئ وتأخير العلاج، بينما يسهم الوعي المبكر والمعرفة العلمية في تحسين التشخيص، تعزيز فرص الشفاء، وتحقيق أفضل النتائج العلاجية للمرضى”.
قدمت الأستاذة بشرى حجاوي، وهي قابلة مجازة ومرشدة رضاعة (المغرب)، مداخلة شاملة حول صحة المرأة والوقاية من السرطان، مشددة على أن الوعي والمعرفة هما أساس الصحة الجيدة. وأكدت أن “الوقاية تبدأ من الحمل وحتى مرحلة الطفولة المبكرة، وتشمل الفحص المبكر، التلقيح وذلك نحو مستقبل صحي للنساء و الأطفال”. وأوضحت الدكتورة حجاوي أن “مرحلة الحمل وحتى عمر السنتين تمثل فترة حرجة لتأسيس النمو السريع للأجهزة الحيوية، وهي فرصة ذهبية لوضع أساس صحي طويل الأمد للطفل”. كما شددت على أهمية الرضاعة الطبيعية، كونها توفر حماية مزدوجة لكل من الطفل والأم، وتقلل من خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى الأم. كما تناولت أهمية الكشف المبكر عن سرطان عنق الرحم باستخدام الفحص البصري منخفض التكلفة، ودور وسائل تنظيم الأسرة في تقليل خطر سرطان المبيض والرحم، خصوصاً لدى النساء ذوات الاستعداد الوراثي. وأكدت أن هذه الإجراءات تساهم في تعزيز الصحة الإنجابية وتحسين جودة حياة المرأة والمجتمع، ومنح المرأة القوة لمواجهة تحديات حياتها اليومية والمستقبلية.
أكد الدكتور عمر فايز النمري، رئيس جمعية مكافحة السرطان الأردنية، أن الساركوما تمثل نسبة ضئيلة مقارنة مع باقي أنواع السرطان في الأردن، استناداً إلى بيانات الدراسات الوطنية وقواعد البيانات المحلية. ورغم ندرة هذا النوع من السرطان، شدد الدكتور النمري على أهمية زيادة التوعية والكشف المبكر، ليس فقط للمجتمع بشكل عام، بل لفرق الرعاية الصحية والأطباء لضمان تشخيص مبكر وعلاج فعال. وأشار إلى أن رفع مستوى الوعي الصحي والمجتمعي يسهم في حماية الجسم والحفاظ عليه سليماً ومعافى من الأمراض، ويضمن تحسين فرص العلاج والشفاء، خصوصاً في المناطق النائية حيث قد يصعب الوصول إلى الخدمات الطبية المتخصصة. وأكد أن المنظور المجتمعي جزء لا يتجزأ من مكافحة السرطان، وأن التثقيف الصحي المستمر للأطباء والمجتمع هو السبيل الأمثل لضمان صحة أفضل لجميع الأفراد.
قدمت الدكتورة ابتسام موسى صالح، الأستاذ المساعد في جودة خدمات العناية الصحية ورئيس قسم التمريض العام بالمعهد العالي للعلوم والتقنية في مدينة شحات (ليبيا)، مداخلة شاملة حول الأورام النادرة في المجتمعات العربية. وأوضحت أن هذه الأورام تواجه تحديات كبيرة بسبب فجوة الوعي الصحي والثقافي؛ حيث تكون المعرفة موجودة لكنها غير واضحة أو غير معترف بها بالشكل الكافي لدى الأفراد والمجتمع، وقد تكون متاحة لكنها مخفية أو مغيبة بسبب ضعف الثقافة الصحية. وأشارت صالح إلى أن هذه الفجوات تؤدي إلى سوء التشخيص، تأخر العلاج، وتفسير خاطئ للأمراض، بينما الفجوة الثقافية تسبب الخجل وعزلة اجتماعية للمرضى. وأضافت أن العوامل الاقتصادية، مثل الفقر وصعوبة الوصول إلى المراكز الصحية، تزيد من تفاقم المشكلة. وأكدت أن معالجة هذه التحديات تتطلب رفع مستوى الوعي الصحي لدى المجتمع، وتثقيف الفرق الطبية، وتعزيز برامج الكشف المبكر، مشددة على أن المعرفة هي البداية الحقيقية للعلاج، وأن العمل على سد فجوة الوعي يحمي صحة المجتمع ويحسن فرص التشخيص المبكر والعلاج الفعّال للأمراض النادرة.
فيما تناولت الدكتورة خديجة أمصيف، الطبيبة في المستشفى الجامعي الحسن الثاني في مدينة فاس (المغرب)، في مداخلتها واقع مرض السرطان في المغرب، من خلال استعراض المعطيات الوبائية، إكراهات التشخيص، واستراتيجيات العلاج والوقاية. وأوضحت الدكتورة خديجة أن السرطان مجموعة من الأمراض التي تتميز بالنمو غير المنضبط للخلايا وقدرتها على غزو الأنسجة والانتشار إلى أعضاء بعيدة. وتشير الإحصائيات إلى أن أكثر الأنواع شيوعاً في المغرب هي: سرطان الرئة، سرطان الثدي، سرطان القولون، وسرطان المستقيم، مع اختلاف التوزيع بين الجنسين؛ إذ يحتل سرطان الثدي المرتبة الأولى لدى النساء، بينما يتصدر سرطان الرئة لدى الرجال. كما أبرزت أن أهم عوامل الخطورة تشمل: السمنة، ضعف استهلاك الخضروات والفواكه، وقلة النشاط البدني. وأضافت أنه “منذ سنة 2010 تم إطلاق أول خطة وطنية لمكافحة السرطان، ركزت على الوقاية، الفحص المبكر، والعلاج، مع برامج خاصة للكشف عن سرطان الثدي وعنق الرحم”. وفي جانب العلاج، أشارت الدكتورة أمصيف إلى تعدد الوسائل المعتمدة حسب نوع الورم ومرحلة تطوره، وتشمل: الجراحة، العلاج الإشعاعي، الكيميائي، الهرموني، الموجه، والمناعي. واختتمت الدكتورة أمصيف مداخلتها بتأكديها على أن مواجهة السرطان في المغرب تتطلب تعزيز البحث العلمي، نشر التوعية، توسيع الفحص المبكر، وتطوير البنية العلاجية بما يضمن تحسين جودة حياة المرضى.
أوضحت الدكتورة خيرة حابي، دكتوراه في علم النفس في جامعة سيدي بلعباس (الجزائر)، أن سرطان الثدي يعد من أكثر أنواع السرطان شيوعاً وفقاً للتقارير العالمية، مؤكدة أن السرطان تجربة متعددة الأبعاد النفسية والاجتماعية والمهنية. فالشخص الذي يخوض تجربة الإصابة لا يواجه المرض جسديًا فقط، بل يدخل في صراع نفسي عميق، يتمثل في مشاعر الخوف من الموت، فقدان الثقة بالنفس، واضطرابات في العلاقات الاجتماعية والمهنية، حتى بعد مرحلة الشفاء، ما يجعل الدعم النفسي والاجتماعي المستمر ضرورياً لتسريع التعافي واستعادة الهوية النفسية والاجتماعية للفرد.
كما أشارت الدكتورة حابي إلى أن تجربة المرض تمر بعدة مراحل نفسية طبيعية، تشمل:
1-مرحلة الإنكار: رفض الاعتراف بالمرض.
2-مرحلة الغضب: الإحباط والغضب من الوضع الجديد.
3-مرحلة الاكتئاب: الحزن العميق والخوف من المستقبل.
4-مرحلة البحث عن حلول أو إنهاء الصراع الداخلي.
5-مرحلة التقبل: التصالح مع الحالة والعمل على التكيف.
وشددت الدكتورة حابي أن هذه المراحل استجابة طبيعية للضغوط النفسية الناتجة عن التشخيص والعلاج، مما يجعل الدعم النفسي المبكر والدعم الاجتماعي عوامل حاسمة في الحد من الأعراض النفسية وتعزيز التكيف الاجتماعي والنفسي.
وختمت الدكتورة حابي بالتأكيد على ضرورة تعزيز آليات الدعم الاجتماعي لجميع النساء بغض النظر عن خلفياتهن الثقافية أو الاجتماعية، باعتبار ذلك عاملاً محورياً في تعزيز الصحة النفسية والاجتماعية وتحقيق تكيف أفضل مع تجربة المرض والتحديات المصاحبة له.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المهندسة سارة ملحم – كاتبة صحفية، مهندسة في مجال تكنولوجيا المعلومات.
