إعداد الأستاذة ريما ملحم*
أقيمت هذه الورشة برعايةٍ وإشرافٍ من مؤسسة BRC العلمية الدولية، وبمشاركة جامعاتٍ عراقيةٍ وعربيةٍ رصينة، وبالتعاون مع مركز JSM للدراسات والأبحاث – روسيا والمجلس الاستشاري الأسري في العراق. تُنظَّم الورشة عبر القسم النفسي والأرطفوني، وقسم الحقوق، وبرنامج الطفولة الآمنة التابع لمؤسسة BRC العلمية الدولية، وذلك بتاريخ 5 أكتوبر 2025. وقد تولّت إدارة الورشة الأستاذة هاجر حليلالي من جامعة المدية – الجزائر.
افتتح الجلسة الدكتور ميثاق بيات الضيفي، رئيس مؤسسة BRC العلمية الدولية، قائلًا:
“كما قلنا في عنوان الورشة: سرّ الكلام في زمن الشاشة…الخ. أيها الأبوين، هل تعلمون أن أبناءكم، أبناء هذا الجيل الرقمي، لم يعودوا يتحدثون معكم كما كان البشر يتحدثون سابقًا؟ لقد تغيّر كل شيء؛ لم تعُد الكلمات تحمل ذات الدفء، بل تحوّل الحوار العائلي إلى تفاعلاتٍ باردةٍ وجامدة. نحن الكبار ما زلنا نمارس أوهامنا القديمة؛ لغة الآباء هي لغة الحروف والجُمل والقصص، المليئة بالحنان، أما لغة الأبناء اليوم فهي رموزٌ وإيموجيات: وجهٌ مبتسم، أو قلبٌ مكسور. إننا لا نتحدث مع أبنائنا، بل نتحدث مع شاشاتهم! في كل بيتٍ معركةٌ غير معلنة: أبٌ يصرخ في وجه صمت ابنه، وأمٌّ تبكي لأن ابنتها تشارك الغرباء على (التيك توك) أسرارًا لم تجرؤ يومًا على البوح بها. هذه مصيبة واقعة، لأن الشاشة أصبحت البيت الموازي، حيث يُربّي الأبناء أنفسهم بأنفسهم. الحوار هو خطّ الدفاع الأخير عن إنسانيتنا العائلية. لنتعلّم من الإيموجي لغةَ المشاعر، لكن المشكلة أن الذكاء الاصطناعي أصبح المربي الحقيقي، ونحن ما زلنا نقنع أنفسنا بأن الأمور تحت السيطرة. الحقيقة المؤلمة أن أبناءنا صاروا يعرفون كيف يُظهرون مشاعرهم عبر تطبيقات مثل (ChatGPT) وغيرها، لكنهم في الوقت نفسه لا يعرفون كيف ينطقون جملةً واحدة لآبائهم.
أصبحوا يبحثون عن الأمان في غرف الدردشة، ويهربون من دفء البيوت. لا عزلة أخطر من عزلة الأبناء داخل هواتفهم.
حان الوقت لثورةٍ حواريةٍ حقيقية. لا نريد المزيد من المحاضرات النظرية، لأن يومًا سيأتي يقول لنا فيه أبناؤنا: «كنتم تملكون الفرصة… لكنكم اخترتم الصمت!
والسؤال الأخير الذي نطرحه اليوم:
هل ما زال لدينا وقتٌ لنُنقذ الحوار، أم أن الشاشة أعلنت رسميًّا موت اللغة العائلية؟
هذا ما ستتحدث عنه الآن الأستاذة نِضال أحمد ليلى”.

مداخلة الأستاذة نضال أحمد ليلى، وهي مستشارة أسرية وتربوية ومديرة التدريب في مركز إشرافات – أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة:
بدايةً، سأتحدث عن مهارات الحوار الفعّال بين الآباء وأبنائهم في عصر اللغة الرقمية.
سؤال للنقاش:
ما هي أكثر قناةٍ حواريةٍ تستخدمها مع ابنك؟
1-وجهًا لوجه
2-عبر تطبيق واتساب
3-مكالمة قصيرة
الإجابة الغالبة كانت: “وجهًا لوجه”.
لكن المشكلة ليست في الوسيلة فقط، بل في اللغة نفسها. فنحن – الآباء – نتحدث بلغة العقل والقِيَم، بينما الأبناء يتحدثون بلغة المشاعر والتجربة. لكي نصل إليهم، علينا أن نُغيّر الأسلوب لا الرسالة.
هل ضاعت لغة القلب وسط رموز الشاشة؟
نعم، ضاعت!
لم نعد نسمع نبرة الصوت، ولا نرى تغيّر الملامح، فقد أصبحت المشاعر محصورةً في رموزٍ جامدةٍ تُرسل عبر الشاشة.
قديمًا، كانت لغة القلب هي السائدة، أما اليوم فالمشاعر تمرّ عبر شاشةٍ باردةٍ لا دفءَ فيها. أبناؤنا ينظرون إلينا أحيانًا على أننا لا نواكب تطورهم الرقمي، فيشعرون بالهوة بين الجيلين. هدفنا اليوم ليس محاربة التكنولوجيا، فهي واقعٌ لا يمكن إنكاره،
بل أن نُعلّم أبناءنا أن وراء كل شاشةٍ قلبًا نابضًا، وأن الابتسامة، والاحتضان، والنظرة الحانية لا يمكن أن تستبدلها الرموز أو الإيموجيّات.
المهارة الأولى: الإنصات العميق
الإنصات الناجح يخلق حوارًا ناجحًا، وهناك فرقٌ كبير بين السمع والاستماع والإنصات.
السمع: هو استقبال الأصوات عبر الأذن بشكل طبيعي دون تركيزٍ أو قصد، فالأذن تعمل، لكن العقل قد يكون في مكانٍ آخر.
الاستماع: هو أن نستقبل الصوت بإرادةٍ واهتمامٍ، ونحاول فهم الكلام ومعناه.
الإنصات: هو الاستماع بتركيزٍ عالٍ، وفهمُ ما وراء الكلمات من مشاعرٍ ومعانٍ خفية، مع محاولة الإحساس بما يشعر به الطرف الآخر.
الإنصات الحقيقي يُظهر الاحترام ويُعمّق الفهم ويُوقِف الأحكام السريعة.
القاعدة الذهبية: استمعْ لتفهم، لا لتردّ.
فعندما يتحدث الابن أو الابنة، يجب أن نُنصت لهم دون مقاطعةٍ أو حكمٍ أو نقد. وأن نجعل من الجلسة جلسةَ حوارٍ آمنٍ لا يشعرون فيها بالخوف من ردود أفعالنا.
جمل تدريبية:
1-أسمِعْني بما تشعر به… أنا هنا لأفهمك، لا لأحكم عليك.
2-خُذ وقتك، أنا معك.” (مع وقفةٍ هادئةٍ تُشعره بالأمان)
3-كم تُعطي شعورك من 1 إلى 10؟
بهذه الطريقة، يشعر الأبناء أن مشاعرهم مهمّة لدينا، وأنها ليست مصدر إزعاج، بل نافذةٌ للفهم والتقارب.
نشاط تبادلي:
عندما يقول الطفل: زهقان، متوتر، زعلان…الخ.
لا نردّ عليه بنبرةٍ قاسية، مثل:
كم مرة قلت لك لا تتكلم هكذا؟
أو: احمد ربك، غيرك لا يملك ما تملك!
بل نردّ بفضولٍ وهدوء:
ممَّ أنت متضايق؟ أخبرني أكثر.
بهذا نفتح الحوار بدل أن نُغلقه، ونحوّل الانفعال إلى تواصلٍ فعّال.
المهارة الثانية: أسئلة تفتح القلب
كلمة «لماذا» تُثير لدى الطفل شعور التحقيق أو الاتهام. أما كلمات مثل: ماذا، كيف، متى، ما الذي، ماذا لو…الخ فهي تُعبّر عن فضولٍ وتفهّمٍ، وتفتح القلب للحديث.
أمثلة تطبيقية:
1-ما الذي أزعجك أكثر شيء في الموقف؟
2-كيف تُحبّ أن نحلّها معًا؟ أعطني خيارين.
3-ما الذي تحتاجه منّي الآن؟ وقت؟ مساعدة؟ مساحة سكون؟
4-متى يكون الوقت المناسب لنكمل حديثنا؟ أعطني ساعة محددة.
هذه الأسئلة تفتح أفق التفكير، وتنمّي الحسّ المسؤول عند الأبناء، وتحوّل الجدل إلى تواصلٍ بنّاء.
نشاط توضيحي:
بدل أن نقول بحدّةٍ: لماذا تأخّرت؟
يمكننا القول بلُطف:
الحمد لله على سلامتك، هل كل شيء بخير؟
كيف كان طريقك اليوم؟
اشتقت إليك، تأخرتَ قليلًا، هل يمكن أن نرتّب وقتك القادم سويًّا؟
القاعدة:
تجنّب «لماذا» في وقت الانفعال، واستبدلها بـ “ماذا، كيف، متى، ما الذي…الخ”.
لأن هذه الأسئلة تفتح باب القلب، وتخلق حوارًا هادئًا، وتُشعر الطفل بأن مشاعره محلّ تقدير.
المهارة الثالثة: لغة الجسد ومقابلها على الشاشة
في العالم الرقمي، لغة الجسد تمّ استبدالها بعلاماتٍ بسيطة مثل (Read/Seen) أي تمّت قراءة الرسالة، لكن يجب أن نُدرك أن عدم الردّ لا يعني الرفض، وربما يحتاج الأبناء وقتًا للتفكير قبل الرد.
أما ظهور كلمة (Typing) فهي بمثابة ابتسامةٍ صغيرةٍ في الواقع، تُشير إلى التفاعل قبل ظهور الكلمات.
بروتوكول الرسائل النصية مع الأبناء:
1-ثلاث جمل كحدٍّ أقصى.
2-سؤالان كحدٍّ أقصى.
3-طلبٌ واحدٌ كحدٍّ أقصى.
نماذج رسائل مناسبة:
1-شايف تعبك اليوم. (جملة ملاحظة وتفهّم)
2-لو حابب تأجّل الحديث لبعد العشاء، ما عندي مانع. (جملة مرونة)
3-اختر: 8:30 أو 9:15؟ (طلبٌ واضح ومباشر)
بهذا التوازن، نحافظ على التواصل دون إغراقٍ أو ضغطٍ، فنعلّم أبناءنا لغة الرسائل الإيجابية المختصرة.
المهارة الرابعة: دعوة + اتفاق
الدعوة: هي أسلوب راقٍ في التواصل، فيه احترام وفتح لباب الحوار.
فعندما أدعو ابني إلى الحديث، أشعره أني أقدّره وأمنحه مساحة التعبير، لا أنني أُصدر أمرًا.
الاتفاق: هو ثمرة الحوار، أي النقطة التي نصل إليها معًا بعد النقاش الهادئ.
الأوامر تُغلق الحوار، أمّا الاتفاق فيفتح الباب للمسؤولية المشتركة.
الأوامر تُنشئ خوفًا، بينما الاتفاق يُنشئ وعيًا ونضجًا.
أمثلة على الأوامر وتحويلها إلى اتفاقات:
“اطفئ الهاتف فورًا” → “ما رأيك أن نحدّد وقتًا ترتاح فيه من الشاشة؟”
“ذاكر بدل اللعب” → “انتهيت من وقت اللعب؟ بأي مادة نبدأ المذاكرة اليوم؟”
“لا تجادلني” → “أحب أن أسمع وجهة نظرك.”
بهذا الأسلوب، نغرس لدى الأبناء الإحساس بالاحترام، ونبني فيهم المسؤولية، بدل الطاعة العمياء.
إشارات واختصارات رقمية شائعة:
LOL ضحك بصوتٍ عالٍ (Laughing Out Loud)
OMG يا إلهي (Oh My God)
BRB سأعود حالًا (Be Right Back)
BTW على فكرة (By The Way)
معرفة هذه الرموز مفيدة، لكنها لا تكفي.
فالمعرفة لا تصنع التغيير، إنما التجربة هي التي تصنعه. خلال 48 ساعة من تطبيق تجربةٍ حواريةٍ جديدةٍ، يمكن أن نُحدث فرقًا واضحًا في علاقتنا بأبنائنا.
علّموا أبناءكم أن لا يقرؤوا الإشارات الرقمية كاتهام، بل كتواصلٍ يحتاج إلى صبرٍ وفهمٍ وحضورٍ إنسانيٍّ حقيقي. وعلّموهم أن يعبّروا عن مشاعرهم بصدق، وأن يفهموا أن التأخير في الرد لا يعني الرفض، وأن الصمت الرقمي لا يعني القطيعة، بل ربما يكون وقتًا للتفكير أو الهدوء. الحوار هو جسر القلب في زمن الشاشة، وهو الخيط الأخير الذي يربطنا ببعضنا في عالمٍ رقميٍّ سريعٍ بارد. فلنجعل بيوتنا أماكن تُنصت فيها القلوب قبل الآذان، ولنعُد إلى لغة اللمسة، والابتسامة، والنظرة الحانية، قبل أن تُستبدل كليًّا بالرموز.
في نهاية المطاف، التكنولوجيا أداة، وليست بديلاً عن الإنسان. وما يزال الصوت الحنون، والكلمة الصادقة، والاحتضان الدافئ، أعظم وسيلة تربيةٍ وبناءٍ في كل زمانٍ ومكان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذة ريما ملحم – كاتبة وشاعرة وناقدة أدبية.
