إعداد الأستاذ علي ابراهيم*
شهدت العلاقات المصرية–الإسرائيلية منعطفًا جديدًا بعد هجوم الدوحة، الذي لم يقتصر تأثيره على الأبعاد الأمنية فحسب، بل امتد ليعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التعاون العسكري والسياسي بين الجانبين. ففي الوقت الذي تسعى فيه القاهرة لتثبيت حضورها الأمني في شبه جزيرة سيناء ضمن الترتيبات المعروفة لاتفاقية كامب ديفيد، جاء التصعيد الأخير ليكشف عن هشاشة التوازن القائم، ويثير جدلاً حول حدود الدور العسكري المصري في المنطقة العازلة، وانعكاسات ذلك على مسار العلاقات مع تل أبيب. وبين حسابات الأمن القومي وضغوط السياسة الإقليمية، تبدو مصر أمام اختبار دقيق قد يحدد شكل العلاقة مع إسرائيل في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، قال الأستاذ الزائر في الناتو والأكاديمية الملكية العسكرية ببروكسيل، الدكتور سيد غنيم، على قناة سكاي نيوز عربية: “إنّ هجوم الدوحة الأخير مثّل نقطة تحوّل في مسار العلاقات المصرية – الإسرائيلية، حيث تجاوز أثره حدود البعد الأمني ليفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل التعاون العسكري والسياسي بين الجانبين.”
لم يقتصر حديث الدكتور غنيم على الجوانب العامة فحسب، بل ذهب إلى تفصيل بعض القضايا الحساسة، حيث أوضح أنّ مسألة القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء باتت من أكثر الملفات تعقيدًا، خصوصًا مع وجود قيود تفرضها اتفاقية كامب ديفيد منذ عام 1979. وأضاف: “هناك ضغط بالداخل الإسرائيلي على نتنياهو لأن زيادة عدد هذه القوات تترجم بشكل آخر داخل إسرائيل.”
بدوره، أكد المستشار السابق في وزارة الدفاع الإسرائيلية، السيد ألون أفيتار، في نفس البرنامج: “يوجد ضغوط سياسية داخلية على نتنياهو بقضية غزة من اليمين الإسرائيلي، ولكن لا يوجد ضغوط سياسية بالنسبة لموضوع مصر وسيناء، بالتالي سبب الطلب الإسرائيلي هو مهني عسكري استراتيجي، وليس سياسي وداخلي، وهدفة التقليل من التوترات”. وعلى الخلاف من ذلك، أكد الدكتور غنيم: “التصعيد الحالي هو تصعيد سياسي وليس تصعيد عسكري بين البلدين”.
كما أوضح السيد أفيتار من جانبه أنّ تصريحات مسؤولين إسرائيليين سابقين عكست قلقًا متزايدًا من حجم القوات المصرية المنتشرة في المنطقة، معتبرًا أنّ تل أبيب ترى في ذلك تهديدًا محتملًا لترتيبات الأمن القائمة منذ توقيع الاتفاق. وقال: “هناك شعور إسرائيلي بأن أي تغيير في حجم أو طبيعة القوات المصرية لا يقتصر على البعد العسكري، بل يكتسب دلالات سياسية واضحة.”
لم يغفل السيد أفيتار الإشارة إلى جوهر الخلاف البنيوي، حيث شدد على أنّ غياب إطار مؤسسي قادر على احتواء التباينات بين الطرفين يترك مساحة واسعة للاجتهادات المتناقضة. وأوضح: “هذه المرونة في التفسير تجعل من أي حادث أمني جديد فرصة لإعادة فتح النقاش حول جدوى الاتفاق وحدوده.”
وبحسب الدكتور غنيم: “إسرائيل تسير على خطة عسكرية ممنهجة”، وأوضح أن الأهداف الإسرائيلية من هذه الخطة هي: “أولاً-القضاء على الفصائل الفلسطينية بالكامل، وليس حماس فقط، ثانياً-استعادة كافة المحتجزين بأي شكل من الأشكال سواء بالقوة أو بالتفاوض، ثالثاً-نزوح الفلسطينيين بالكامل من الجزء الشمالي من قطاع غزة، الأمر الذي سيمهد لإستيطان الإسرائيليين”.
ويرى الدكتور غنيم أن “هدف حماس في الوقت الحالي هو وقف الحرب، و الوصول إلى إتفاق من أجل إعادة المحتجزين، وخروج الإسرائيلين بالكامل من قطاع غزة، والذي سيؤدي إلى عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم و إعادة إعمار القطاع”.
بذلك، فإنّ هجوم الدوحة لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل محطة كاشفة أعادت إلى الواجهة أسئلة مؤجلة حول طبيعة العلاقات المصرية – الإسرائيلية وحدودها. فالقاهرة تجد نفسها اليوم أمام معادلة معقدة تجمع بين التزاماتها التاريخية في إطار اتفاقية كامب ديفيد، ومتطلبات أمنها القومي المتجددة في سيناء، فضلًا عن ضغوط البيئة الإقليمية المتقلبة. أما إسرائيل، فهي تتعامل مع الحدث من زاويتين متداخلتين: أولوية أمنية تتعلق بحدودها الجنوبية، وحسابات سياسية ترتبط بمسار الحرب في غزة ومستقبل الاستقرار الداخلي. وفي ظل غياب آلية مؤسسية قوية لاحتواء الخلافات، يظل أي تصعيد أو حادث أمني بمثابة فرصة لإعادة فتح الملفات الشائكة، وربما لإعادة صياغة التوازنات التي حكمت العلاقة منذ أكثر من أربعة عقود.
من هنا، فإنّ مستقبل هذه العلاقة لن يُرسم فقط عبر الميدان العسكري أو طاولة التفاوض، بل عبر قدرة الطرفين على موازنة اعتبارات الأمن والسياسة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء تفاهمات أكثر صلابة ومرونة في مواجهة المتغيرات المقبلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ علي ابراهيم – كاتب ومراسل صحفي
