بقلم الأستاذ هشام قدري أحمد*
يصادف شهر أغسطس/ آب 2025 الذكرى الثمانين لإلقاء الولايات المتحدة قنبلتي «الولد الصغير» و «الرجل البدين» النوويتين على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين تواليًّا في نهاية الحرب العالميَّة الثانية، وعلى الرغم من انتشار الأسلحة النوويَّة خلال العقود التالية لنهاية الحرب، وتمكُّن عديد الدول من حيازتها كجزء من ترسانتها العسكريَّة، وبالتالي دخول العالم عتبةً لا رجعة منها على حد وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلا أنَّ الصراعات والحروب الدوليَّة، التي شهدها النظام الدوَّلي خلال النصف الثاني من القرن الفائت والربع الأول من القرن الـ 21، لم تشهد تكرارًا لاستعمال هذا النوع من الأسلحة المدمرة، ما يعكس نجاحًا لاستراتيجية توازن الرعب النووي؛ إذ تدرك الأقطاب النوويَّة أنَّ أي تهديد أو استعمال فعلي للسلاح النووي سيُجابه برد نووي انتقامي كافٍ لتحقيق دمار متبادل مؤكد، ومن ثم يمكن توصيف الوضع الراهن بأنَّ كل القوى النوويَّة في حالة تأهب وتحفز دائمة من خلال وضع أيديها على الزناد، لكن أحدًا منها لا يجرؤ على الضغط وتوجيه الضربة الأولى.

عندما أعطت إدارة الرئيس الأمريكي هاري ترومان، الضوء الأخضر للقيادة العسكرية للجيش الأمريكي باستخدام “القنبلة الذرية” ضد اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية، يومي السادس والتاسع من أغسطس/ آب 1945، لم يكن الهدف الرئيس من هذه الخطوة هو تحطيم آلة الحرب اليابانية أو إجبار النظام السياسي في طوكيو على قبول وقف إطلاق النار، ايذانًا باستسلام البلاد لقوات الحلفاء بقيادة واشنطن، دون قيد أو شرط، فاليابان كانت قد وصلت في نهاية الحرب إلى حالة من الضعف والوهن الشديدين، على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، نتيجة تراجعها الميداني على أكثر من جبهة، وفوق ذلك، لم يكن بمقدورها مواصلة الحرب وحدها، خاصة بعد توقف رُحى المعارك في أوروبا، على خلفية تدمير حليفيها الرئيسيين، إيطاليا الفاشيَّة وألمانيا النازيَّة وقبولهما الاستسلام غير المشروط.
ومن ثم كانت حتمية الهزيمة اليابانيَّة مسألة وقت لا أكثر، لاسيَّما بعد أن وافق الاتحاد السوفيتي، وهو الجار القوي لليابان، في مؤتمر يالطا (فبراير/ شباط، 1945) على دخول الحرب ضد القوات اليابانيَّة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى.

وبالتالي، يمكن القول إنَّ القيادة السياسية الأمريكيَّة توافرت لها في ذلك الوقت جملةً من المبررات الاستراتيجيَّة، دفعتها للجوء إلى الخيار النووي، الذي عُدّ بمثابة الخيار العسكري الأول والوحيد من نوعه حتى اليوم؛ حيث لم يشهد أي نزاع عسكري آخر، خلال الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالميَّة الأخيرة، استخدام أي نوع من الأسلحة النوويَّة على الإطلاق. ويُمكن إجمال هذه المبررات في ثلاثة دوافع رئيسية على النحو التالي:
أولًا: مع نهاية الحرب، كانت الجهود الأمريكيَّة في مجال الذرة، والتي تجسدت في تدشين مشروع مانهاتن السري للبحث والتطوير في مجال الانشطار الذري، قد تكللت بنجاح، حين أسفر المشروع عن صناعة أولى القنابل الذريَّة. وعلى الرغم من نجاعة هذا السلاح الجديد وفعاليته التدميرية، إلا أنَّ الجيش الأمريكي كان بحاجة إلى قياس أداءه وقدرته ميدانيًّا، بُغية تقييم تداعياته الحقيقية على البيئة الإنسانيَّة، فكانت اليابان بعد استسلام النازيين في أوروبا، بمثابة المُختبر البشري الوحيد، الذي يمكن للأمريكيين إطلاق العنان فيه لوحشهم الجديد، فقد كانت تلك فرصةً سانحة لا تُعوض، ولأنها حرب فوضوية مُنذ بدايتها، فإنَّ المجتمع الدولي قد لا يكترث كثيرًا، أو يُبدي انزعاجه، إن كانت نهايتها فوضويةً ومُرعبةً أيضًا.
ثانيًا: أدركت الولايات المتحدة أنه لا يمكن اخضاع الإمبراطورية اليابانيَّة عبر الاستمرار في الهجمات الجويَّة وحدها، وفي الوقت نفسه أفادت تقديرات الجيش الأمريكي بأنَّ محاولة غزو الجزر اليابانيَّة بحريًّا سيطيل أمد الصراع في المحيط الهادئ، وسيكبد القوات الأمريكية خسائر جسيمة في العدة والعتاد، فضلًا عن إمكانية مقتل ما لا يقل عن نصف مليون جندي، في ظل شراسة المقاومة اليابانيَّة وتمتع اليابان بأفضلية الموقع التي تتيح لها القدرة على ردع أي عدوان محتمل اعتمادًا على ما يسمًّى “القوة المانعة للمياه” التي تحظى بها الدول الجزرية، ومن هنا كان التفكير في تفعيل الخيار النووي باعتباره الخطوة التي ستعجل بانتهاء الحرب وتفضي إلى هزيمة اليابان بأقل الخسائر الممكنة.
أخيرًا: أرادت الولايات المتحدة عبر تفجيرها للقنبلة الذريَّة فوق رؤوس اليابانيين، في مُناسبتين، توجيه رسالة غير مباشرة إلى الاتحاد السوفيتي، الذي بدا وقتها يُشكل القوة الوحيدة التي بمقدورها مزاحمة واشنطن وتقاسم مناطق النفوذ والهيمنة معها في مرحلة ما بعد الحرب، بعد أن تراجعت أدوار القوى الأوروبيَّة التقليدية ولم تعد إمكاناتها الاقتصاديَّة أو العسكريَّة التي استُنزفت بفعل الحرب تسمح لها بالاضطلاع بمهام قيادية أخرى. وقد أستوعب السوفييت، على ما يبدو، مضامين هذه الرسالة الأمريكيَّة، التي أفرزها المشهد النووي في شرق آسيا، فسارعت القيادة الشيوعيَّة في موسكو إلى تسخير كافة إمكاناتها، وتحشيد كل طاقاتها العلميَّة والتكنولوجيَّة، من أجل هدف واحد، وهو سبر أغوار الشيفرة النوويَّة، والوصول إلى آلية انشطار أنوية الذرة، وهو ما تحقق بعد أربع سنوات فقط على وقوع مأساة هيروشيما ونجازاكي، حين فجَّر السوفييت أولى قنابلهم الذريَّة في تجربة أطلق عليها “الإضاءة الأولى”، وذلك في 29 أغسطس 1949 في موقع اختبار سيميبالاتينسك، الواقع في أراضي كازاخستان الحالية، ليُعلن السوفييت بهذه التجربة انضمامهم للنادي النووي، ويفرضوا على الأمريكيين بذلك واقعًا سياسيًّا جديدًا، عُرف بتوازن الرعب النووي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ هشام قدري أحمد – كاتب وباحث في العلوم السياسيَّة.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
