بقلم الدكتور بوشيخي بوحوص*
قبل أن نفصّل في العلاقات الاقتصادية الجزائرية-الأمريكية يجب أولاً أن نعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني من مديونية ضخمة حوالي 38 ترليون دولار، وخدمة الدين سنوياً حوالي 1.3 ترليون دولار. تستدين الولايات المتحدة الأمريكية كل 100 يوم حوالي ترليون دولار، ناتجها المحلي الإجمالي هو الأكبر عالمياً، حوالي 29 ترليون دولار، لكن مديونيتها كبيرة جداً.
إرتأت إدارة ترمب من أجل مواجهة هذه المشكلة أن تذهب إلى زيادة الضرائب والرسوم، أي الجباية بصفة عامة. لكن ترمب قرر أن لا يزيد في الضرائب المباشرة والضرائب غير المباشرة، بل رأى أن يزيد في الرسوم الجمركية، ربما حسب نظره ونظر الفريق الحكومي أنه يمكن أن يجمع المال ويضعه في صندوق سيادي خاص من أجل التوازنات، لكن هذه الآلية محفوفة بالمخاطر بل تزيد الطين بلة، وتنعكس على المواطن الأمريكي. طبعاً السياسة الحمائية متبعة منذ زمن بعيد وهي تنجح إذا وفقط إذا كنت أنت من ينتج منتجاتك المحلية.
تدفع الرسوم الجمركية والحواجز الجمركية المواطنين إلى استهلاك المنتجات المحلية، لكن ليست جميع هذه المنتجات متاحة الآن، وأيام صعبة تنتظر أمريكا من أجل إعادة تشغيل وتوطين الصناعة.
طبعاً، بالنسبة لبقية العالم نحن الآن نتجه إلى عالم متعدد الاقطاب، وليست الولايات المتحدة هب من سيسيّر العالم لوحدها، وأعتقد أن الدول الأوربية وحلفاء أمريكا السابقين سوف يدخلون في مفاوضات من أجل تخفيض هذه الرسوم، وأيضاً من أجل التعاون العالمي من أجل مواجهة الأزمة العالمية للديون، والتي تتجاوز 100 ترليون دولار.
فمثلاً، فرنسا وصلت ديوانها إلى حوالي 3 ترليون، أيضاً إيطاليا حوالي 2.7 ترليون دولار، وأيضاً بعض الدول العربية تعاني من مديونية. ولابد من قمة عالمية من أجل مناقشة هذا الموضوع والتخفيف من آثاره على البشرية قاطبة، والبحث عن حلول موضوعية عملياتية بدون تشنج ولصالح البشرية جمعاء.
الآن! بالنسبة للعلاقات الاقتصادية الجزائرية-الأمريكية، فهي تاريخية و قائمة على الاحترام المتبادل منذ عهود، فقبل الاستعمار الفرنسي الجزائر كانت أمريكا تدفع آتاوت إلى الجزائر لحماية سفنها. وأيضاً الجزائر كانت من بين الدول التي اعترفت بأمريكا الجديدة، مستقلة عن التاج البريطاني سنة 1776م. وعندما أخذت الجزائر استقلالها وقّع أول رئيس للجزائر، المجاهد أحمد بن بلة رحمه الله، عدة اتفاقيات خاصة في مجال البترول والغاز. وساعدتنا أمريكا في إنجاز مركب تمييع الغاز الطبيعي الواقع بالمنطقة الصناعية بأرزيو، وأيضاً معاهدة البترول في بومرداس، وكانت الدراسة باللغة الانجليزية، واستطعنا أن نقوم آنذاك بعملية تمييع الغاز الطبيعي وتصديره إليها بموجب عقد لمدة عشرين سنة من 1974 إلى 1984.
مؤخراً قرّر ترامب فرض 30% رسوم جمركية على الجزائر، طبعاً ليس لها أي تأثير، بل تعد فرصة من أجل الإستحواذ على حصة في سوق الولايات المتحدة الأمريكية، والدليل أن وضع الاقتصاد الأمريكي خطير جداً؛ فالولايات المتحدة الأمريكية تعاني من عجز كبير في ميزان المدفوعات يتعدى 40%، وأيضاً تعاني من مديونية كبيرة، ومن أجل تحقيق التوازن فهي مطالَبة بزيادة الضرائب والرسوم والإحجام عن تقديم المساعدات، وترامب بناء على هذا التحليل قرّر فرض الرسوم الجمركية. من جهة أخرى، حجم التبادل التجاري حوالي 4 مليار دولار بين الجزائر و الولايات المتحدة، 3 مليار دولار صادرات الجزائر إلى أمريكا (بترول، غاز مسال، حديد، إسمنت، تمور)، وفي المقابل 1 مليار دولار واردات أمريكا إلى الجزائر.
طبعاً، هناك تأثير طفيف على المستهلك الأمريكي، فقد تصله المنتجات الجزائرية مرتفعة الثمن، لكن يمكن للسلطات الجزائرية التغلب على هذا المشكلة من خلال تخفيض تكاليف المنتجات، وأيضاً تخفيض كلفة الشحن باستعمال الأسطول البحري والجوي الجزائري، واستعمال العملة الوطنية. بهذه الطريقة يمكننا تحقيق رقم أعمال جديد من خلال الإستحواذ على تجارة التجزئة، أي فتح معرض دائم للمنتجات الجزائرية في أمريكا من أجل حل مشكلة الهوامش والوصول إلى المستهلك مباشرة. السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في خاتمة هذه المقالة:
لماذا لا يمكن الوصول إلى 6 مليار دولار، أي مضاعفة صادرات الجزائر إلى أمريكا مرتين؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور بوشيخي بوحوص – خبير اقتصادي و أستاذ محاضر في جامعة مستغانم في الجزائر.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
