إعداد الأستاذ علي ابراهيم*
شهدت مدينة شنغهاي انعقاد قمة منظمو شنغهاي للتعاون. وقد جاءت القمة لتسلط الضوء على ملفات التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري، ولتؤكد رغبة الدول الأعضاء في تعزيز شراكتهم لمواجهة التحديات المشتركة، وإعادة رسم ملامح التوازنات العالمية. كانت القمة بمشاركة قادة من نحو 20 دولة حول العالم، واستمرت ليومين، واختتمت بعرض عسكري ضخم في العاصمة بكين بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية.
ومن أبرز القادة الذين حضروا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، والرئيس الإيراني مسعود بزكشيان، ورئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إضافة إلى رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيت، ورئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وبمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والأمين العام لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) كاو كيم هورن، وغيرهم من قادة العالم.
في هذا التقرير سنستعرض آراء بعض الخبراء والمحللين السياسيين حول مواضيع، أهمها، تحقيق التكامل الاقتصادي للدول الأعضاء مع الصين.
للحديث عن هذا الموضوع، يفتتح الحديث الدكتور آصف ملحم، وهو مدير مركز جي اس ام للأبحاث والدراسات في موسكو، عبر برنامج «تحت الضوء» على قناة CNBC عربية، قائلا: “لو تأملنا تموضع هذه الدول المشاركة، الصين، وروسيا، والهند، ويوجد أربع دول من جمهوريات آسيا الوسطى، وكل هذه الدول تقع في فضاء جغرافي واحد، بطبيعة الحال تكتل كل هذه الدول مع بعضها البعض تفرضه الجغرافيا عليهم جميعاً. من ناحية أخرى، الصين تحاول تطوير مشروعها العملاق الحزام و الطريق، وتعتبر آسيا الوسطى أحد أهم عقد الوصل في هذا المشروع الكبير. بالمقابل، الولايات المتحدة الأمريكية ومعهم أوروبا ومنذ التسعينات تحاول اختراق هذا الفضاء تحت العديد من المسميات. وللحديث عن التبعية الاقتصادية لدول منظمة شنغهاي للصين، لدينا على سبيل المثال كازاخستان و هي دولة تتبع سياسة متعددة المتجهات والمستويات، وعندها دائماً استراتيجية خروج، فهي محاصرة بين روسيا والصين، ولا يمكنها التصرف بدون أن تنسق معهما”.
بناءً على ما سبق، يقول ملحم: “محاولة الدول الغربية اختراق هذا الفضاء بشكل أو بآخر للتأثير على روسيا أو الصين، عبر إثارة القلاقل في تلك المنطقة تحت شعارات مختلفة، ولكن هذا الامر سيصعب على الولايات المتحدة الأمريكية، لأن هذه الدول ستنطلق من مصالحها القومية العليا وليس من مصالح الولايات المتحدة الأمريكية”.
في قمة شنغهاي قال الرئيس الصيني أنه يجب إيجاد طريقة لمواجهة الحرب الباردة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتبين الدكتورة لجين سليمان، وهي باحثة في العلاقات الدولية في بكين: “الصين دائماً تدعو إلى فكرة الخروج من الحرب البادرة، و الابتعاد عن المحصلة الصفرية، ومن جهة ثانية، يمكن ربط هذا الموضوع مع العرض العسكري الذى أقيم في 3 سبتمبر الجاري، بمناسبة الذكرى الـ 80 لانتصار الصين على الاحتلال الياباني، الذي هو تاريخ بدء الحرب الباردة في نفس الوقت”. و تضيف الدكتور لجين: “لم يعد يوجد أيديولوجيا في التعامل بين الدول، حيث أن العلاقات الدولية مبنية على المصالح في المرتبة الأولى، فبالتالي الخروج من عقلية الحرب الباردة هو ضرورة حتمية في التشكيلات العالمية الجديدة. رمزية هذا التاريخ ورمزية توقيت انعقاد هذه القمة، ورمزية التشكيل العالمي الذي يحدث، والذي بدوره سيؤدي الى الخروج من التحالفات الأيديولوجية والاتجاه نحو التكامل الاقتصادي والشراكات من خلال تعزيز الشراكات والتكاملات الاقتصادية بشكل دائم، سواء عبر مبادرة الحزام والطريق، أو عبر مبادرات أخرى، كل هذا يدعو إلى الخروج من عقلية الحرب الباردة”.
عبر الرئيس الأمريكى ترامب عن قلقه من قمة شنغهاي، ووصف روسيا والصين بأنهما يتآمران مع كوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة، ولم تختلف تصريحات قادة أوروبا كثيراً عن الموقف الأمريكي، الذى رأى في قمة شنغهاى تحدياً خطيراً، وأنه خطوة نحو تحالف مناوئ للغرب.
وحول هذه النقطة يقول الدكتور ملحم: “عندما نرى هذا اللقاء بين هولاء الزعماء الكبار، روسيا والصين والهند وتشابك الأيدي بينهم، فإن هذا المشهد يزعج ترامب بشكل كبير، لأن الولايات المتحدة الأمريكية بذلت جهوداً جبارة من أجل استمالة الهند إلى جانبها من أجل مواجهة الصين”.
كما نعلم أمريكا نفسها فرضت عقوبات على الهند بسبب شرائها النفط الروسي، تعليقاً على ذلك يضيف ملحم قائلاً: “لا يوجد عند الولايات المتحدة الأمريكية رؤية استراتيجية واضحة لحل مشاكل العالم”.
بعض الآراء تقول أن الهدف من منظمة شنغهاي هو خلق سوق لتصريف الفائض الصيني، ولكن الدكتورة لجين سليمان تخالف هذا الرأي، إذ أكدت: “طالما أنه يوجد شراكات بين أعضاء المنظمة فإن الشراكات تصب في مصلحة كل الأطراف”.
في ختام القمة، بدا واضحاً أن موسكو وبكين تسعيان إلى ترسيخ معادلة جديدة في العلاقات الدولية تقوم على التعاون متعدد الأبعاد ومواجهة الضغوط الغربية. وبينما يرى مراقبون أن الشراكة الروسية–الصينية مرشحة للتوسع أكثر في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والدفاع، يظل المستقبل مفتوحاً على احتمالات متعددة قد تحدد ملامح النظام العالمي في السنوات المقبلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ علي ابراهيم – كاتب ومراسل صحفي
