بقلم الأستاذ أحمد رفعت يوسف*
كنا من أوائل من تحدّث عن الاستدارة الكبيرة، في مواقف النظام التركي، من الوضع في سورية، مستندين على مصادر تركية مطّلعة، لكن المفاجئ، أنّ هذه الاستدارة، كانت أكبر وأسرع مما توقعناه، حيث لم تمضِ أيامٌ قليلة، حتى بدأنا نسمع، مواقف ولغة تركية جديدة مختلفة، عن التي كنا نسمعها، منذ بدء العدوان على سورية عام 2011، والتي تميزت بالفوقية والعنجهية، ووصلت أحياناً حد البذاءة، من رئيس النظام التركي، رجب طيب أردوغان، وهو يتحدث عن سورية، والرئيس بشار الأسد.
اللافت في تصريحات أردوغان الحالية، وصولها إلى درجة استجداء التصالح مع سورية، ولقاء الرئيس الأسد، واستبداله كلمات الحقد والبذاءة، بالحنين إلى أيام العلاقات الدافئة مع سورية، والعلاقة الشخصية والأسرية مع الرئيس الأسد، والتي باتت مادة دسمة، لقادة المعارضة التركية، كتأكيد على فشل سياساته وأوهامه.
ومالم يستطع أردوغان، المحكوم بالضوابط السياسية والدبلوماسية الرسمية، التصريح به، قاله بوضوح أكثر، مدير مركز الدراسات الفكرية في اسطنبول، الدكتور باكير أتاجان، المقرّب من النظام التركي الذي يقول:
-الرئيس أردوغان، مستعد للقاء الرئيس الأسد، في أي مكان يريده، حتى لو كان في دمشق.
-تركيا وسورية، تتمتعان بحدود مشتركة كبيرة جداً، ومن غير المنطقي، ألّا نكون أصدقاء وحلفاء، وإلا فإن البلدين لن ينعما بالاستقرار.
-أردوغان منذ 2018 وهو يرسل الإشارات للرئيس الأسد، بأنّه مستعد للحوار، لكن هنالك دول وأطراف ثالثة، لا تريد هذا التقارب.
-تركيا تطلب أن تجلس مع سورية وجهاً لوجه، بعيداً عن أي طرف، ولا مانع لديها من الاتفاق على أي بنود، تريح الجانب السوري بالمفاوضات.
-الرئيس التركي، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، أكدوا مراراً وتكراراً على أنه :(لا أطماع لدينا في الأراضي السورية، ومسألة الانسحاب التركي من سورية، لا مشكلة فيها، لكن يجب أولاً الجلوس، والاتفاق على بعض الأمور، التي تهم الأمن القومي للبلدين).
هذه التحولات التركية، فتحت المجال واسعاً، للتساؤلات حول سر هذا التبدل، الذي تجاوز حدود التجاوب، مع الوساطات الروسية والعراقية، للمصالحة بين البلدين، خاصة وأن أردوغان، معروف بميكافيليته السياسية، وهي الصفة المتأصلة في الشخصية الإخوانية، التي يعتبر أردوغان نموذجاً لها، والتي لا تترك مجالاً للأخلاق والعواطف، رغم محاولاته إضفاء الصبغة الدينية والمثالية، على مواقفه.
هذا التحول، لا يمكن تفسيره الا بأحد أمرين:
الأول-وجود تحركات ومواقف، وراء كواليس السياسات الدولية – وتحديداً الأمريكية – تستشعر منها تركيا خطراً حقيقياً، على أمنها القومي، ومنها المشروع الكردي، البديل عن المشروع الصهيوني، الذي يقترب من الانهيار.
الثاني-قراءات تركية، للأوضاع في فلسطين المحتلة، وفي كافة ساحات وميادين القتال، والتي تنذر بتطورات متسارعة، وبالتأكيد لم تكن تركيا لتقوم بهذه الانعطافة الكبيرة، واستعجالها المصالحة مع دمشق، لو لم تكن قراءتها متشائمة، حول مستقبل الكيان الصهيوني، والوجود الأمريكي في المنطقة، وتداعيات ذلك، على دورها ومكانتها ومستقبلها.
هذه القراءة، ترافقت مع مواقف واجهت أردوغان وحكومته، في كل اللقاءات والاتصالات السياسية والدبلوماسية التي قاموا بها مؤخراً، والتي شملت معظم العواصم المعنية بالملف السوري، وتحديداً موسكو وبكين وطهران والرياض والقاهرة وأبو ظبي، والتي اصطدمت كلها بطلب واحد يوجه لأردوغان، بأن “أصلح علاقتك مع دمشق”.
كما أن الأزمة الخانقة، التي يعاني منها الاقتصاد التركي، لا يمكن تجاوزها، بوجود حدود مغلقة مع سورية، وهي التي توصله إلى الخليج العربي والأردن ومصر.
وسط هذه الأجواء، التي تعززت بلقاء الرئيسين بوتين وأردوغان، في قمة مجموعة شنغهاي، التي عقدت في العاصمة الكازخستانية “أستانا” يتوقع أن تنتقل الأوضاع، إلى التنفيذ العملي، للتعهدات التركية، خاصة وأن تصريحات أردوغان، بعد القمة، أكدت هذا التوجه، حيث قال:”وجودنا في الشمال السوري، هو لحماية الأمن القومي التركي، وليس لحماية المجموعات المسلحة، التي لم تستطع أن تتحد طيلة عشر السنوات الماضية، وسوف نسير قدماً نحو ما تقتـضيه مصلحة الدولة التركية”.
هذه التصريحات، التي قرأها المراقبون، بأنها تخلي تركي عن المجموعات الإرهابية المسلحة، التي باتت العقبة الأكبر أمام إتمام المصالحة، لكن يبدو من تصريح أردوغان، أن لا رجعة عن السير في المصالحة مع دمشق، بما تقتضيه هذه المصالحة، من إيجاد حلول للمجموعات الإرهابية.
وقد كان لافتاً، أن هذا التصريح، ترافق مع معلومات، بأن زعيم حركة تحرير الشام (جبهة النصرة) أبو محمد الجولاني، سيُطلب مع عدد من قادته، إلى القضاء التركي، وهو الإجراء الذي سيفتح باب المواجهة، مع هذه المجموعات الإرهابية، والتي ستضعها بين فكّي كماشة الجيشين السوري والتركي.
كما أن مصادر إعلامية، تحدثت عن تجاوب سوري، مع الوساطات، بإبداء مرونة، استبدلت شرط الانسحاب الفوري التركي من الأراضي التي تحتلها، بتعهد تركي مكتوب، بضمانة الوسطاء، بالانسحاب من سورية، مقروناً بجدول زمني لهذا الانسحاب.
ورغم الشكوك الكبيرة، التي تبديها القيادة السورية، والشارع السوري، في أردوغان وسياساته، لكن كل المؤشرات، باتت تؤكد، بأن جهود الوساطة الروسية العراقية، تحقق اختراقاً، في الجدار الصلب، الذي وقف حائلا ًدون نجاح الوساطات السابقة، وليس مستَبعداً، الإعلان في أية لحظة، عن جداول وبرامج لقاءات سياسية، تمهّد للقاء الرئيسين بشار الأسد وأردوغان، والتي ستكون في حال إعلانها، بداية لمرحلة جديدة، في العلاقات السورية التركية، ومجمل العلاقات السياسية بين دول المنطقة.
لكن ما يجب تأكيده، أن هذه التحولات التركية، قد تخفف من الأثمان الباهظة لسياساتها العدوانية، وقراءتها الخاطئة، والتي ستحوّل الموقع الجيوسياسي الهام لتركيا، من نعمة إلى نقمة، لكنها لن تنجي تركيا، من دفع هذه الأثمان لأخطائها الفادحة، منذ انخرطت في مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي تولى فيه أردوغان، منصب نائب المدير التنفيذي للمشروع، الذي انعش عنده أحلام العثمانية الجديدة، أرادها من باب تسليم المنطقة للإخوان المسلمين، واعتبار نفسه خليفة جديداً للمسلمين، فكان انخراطه في حراك الربيع العربي، والعدوان الشرس على سورية، ليستكمل خطأه هذا، بخطأ لا يقل خطورة عنه، في موقفه من العملية الروسية في أوكرانيا، ويبدو أن أردوغان، بدأ يتلمس خطورة هذه الأخطاء.
وكما كانت أوهامه بالعثمانية الجديدة، تبدأ من البوابة السورية، بدأ يتلمّس أن خلاصه سيكون من البوابة السورية، بانتظار ما ستسفر عنه الأوضاع في فلسطين، المحتلة وغرب آسيا، وأوكرانيا والقادم من الأيام ينبئ بالكثير من التطورات وعندها سيكون حديث آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ أحمد رفعت يوسف -إعلامي و باحث سياسي.
*نشر المقال في صحيفة “لا” اليمنية.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز جي إس إم وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
