Skip to content
  • عنصر القائمة
  • عنصر القائمة
  • عنصر القائمة
  • عنصر القائمة
  • عنصر القائمة
  • من نحن
  • شروط النشر
  • المجالات البحثية
  • شروط الاستخدام
مركز JSM

مركز JSM

للأبحاث و الدراسات

جميع المراسلات تُرسَل إلى البريد الإلكتروني
info@jsmcenter.org

  • الصفحة الرئيسية
  • مقالات سياسية
  • مقالات اقتصادية
  • علوم عسكرية
  • علوم وتكنولوجيا
  • مجتمع وثقافة
  • خدماتنا

فقدان المعنى واستعادته في فلسفة إيمانويل ليفيناس

Posted on 09.09.202610.09.2026 By يوسف أيوب
المشاهدات: 362

بقلم الدكتور يوسف أيوب*

المحتويات
-الملخص والكلمات المفتاحية
-المقدمة
-تشخيص الفقدان “الـ إيل يا (il y a) وسقوط المعاني
-نقد مركزية الذات حيث يضيع المعنى
-الآخر وتأسيس المعنى الإيتيقي
-الإيتيقا بوصفها فلسفة أولى واستعادة للمعنى
-آخرية الآخر في العصر الرقمي – راهنية الليفيناسية
-النتائج
-المقترحات
-المراجع

الملخص
تعتبر أزمة فقدان المعنى واحدة من أعمق التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر. إذ تسعى هذه الدراسة إلى تشخيص هذه الأزمة وتقديم مسار لاستعادتها من خلال فلسفة إيمانويل ليفيناس Emmanuel Levinas، الذي يرى أن فقدان المعنى بحقيقته يكمن في البحث عنه في المكان الخطأ، أي في الذات المنغلقة على نفسها. ينطلق ليفيناس من نقد جذري لمركزية الذات والعقلانية التمثيلية التي تختزل الآخر وتشييء العالم، مؤكدًا أن المعنى الحقيقي لا ينبثق من الوعي الذاتي أو المشاريع الوجودية، وإنما ينكشف في مواجهة “وجه” الآخر، حيث تسبق المسؤولية الأخلاقية أي معرفة أو اختيار. تقدم هذه الورقة الإيتيقا بوصفها فلسفة أولى وشرطًا لإمكانية المعنى، وتخلص إلى أن استعادة المعنى في عصرنا الرقمي تتم عبر العودة إلى العلاقة الأخلاقية المباشرة مع الآخر، والخروج من سجن الأنا إلى فضاء المسؤولية اللانهائية.

الكلمات المفتاحية: ليفيناس، فقدان المعنى، الآخر، الإيتيقا، المسؤولية، الوجودية، العصر الرقمي.

1-المقدمة
لا يمر أسبوع في منصات التواصل الاجتماعي دون أن أشهد، كباحث في الفلسفة المعاصرة، جدلًا عقيمًا حول “فقدان المعنى”. يتهم البعض التكنولوجيا، ويتهم آخرون الرأسمالية، ويحمل ثالث الحداثة وزر ما آل إليه الإنسان من اغتراب. غير أن هذه الاتهامات، مع حقها في التوصيف، تظل سطحية ما لم تبحث في الموقع الأنطولوجي الذي يفقد فيه المعنى. ذلك الموقع، كما يراه ليفيناس، ليس الخارج، بل الذات نفسها، حين تظن أن المعنى يصنع داخلها، أو يستمد من قدراتها المعرفية.
فتعتبر أزمة فقدان المعنى واحدة من أعمق التحديات التي تواجه الإنسان المعاصر، ويمكننا القول إنها أمست السمة الفلسفية الأبرز لعصرنا. ففي خضم التقدم العلمي والتكنولوجي غير المسبوق في يومنا هذا، وعلى الرغم من اتساع شبكات التواصل الاجتماعي، يعيش الإنسان حالة مقلقة من الفراغ الوجودي، تتجلى في العزلة والاغتراب والقلق، وفي الشعور بأن الحياة قد فقدت بوصلتها الأخلاقية والإنسانية. غير أن الإشكالية الجوهرية هنا لا تبحث عن سبب فقدان الإنسان للمعنى؟ وإنما أين كان يبحث عنه؟ وهل أخطأ الموضع الذي ينبغي أن يطلب فيه معنى وجوده؟
تصدت الفلسفات المختلفة لهذه الإشكالية بطرق متباينة؛ فربطها نيتشه بالعدمية الناتجة عن “موت الله” وتفكيك الأوهام الميتافيزيقية (1)، وكامو بالعبث الناتج عن التنافر بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم (2)، بينما رأى فيها سارتر نتيجة حتمية لحرية الإنسان المطلقة ومسؤوليته عن صناعة معناه الخاص في عالم فاقد للأساس الموضوعي(3). غير أن هذه المقاربات، على اختلافها، ظلت تنطلق من الذات بوصفها مركزية الوجود. أما مع إيمانويل ليفيناس، فلا المعنى ينبثق من الذات ولا من تأملها لنفسها، وإنما يأتيها من خارجها، من الآخر تحديدًا. فيشكل هذا التحول الجذري ثورة فلسفية حقيقية، إذ تستدعي منا إعادة النظر في طبيعة الأزمة وفي سبل تجاوزها(4).

2-تشخيص الفقدان – الـ “إيل يا” (il y a) وسقوط المعاني
بدايةً لفهم فقدان المعنى في فلسفة ليفيناس، لا بد من الانطلاق من مفهومه المحوري للـ “إيل يا”(il y a) ذلك الحضور المجهول، الكائن بلا هوية، الذي يشبه “الطنين” المرعب للوجود بلا شكل ولا معنى. هذا الكيان اللاعدم المحض، هو ما يبقى بعد زوال كل شيء.. وجود خالص، كثيف، خانق، لا يمكن التخلص منه(5). يعبر ليفيناس عن هذه التجربة من خلال “الوجه” الذي يصفه في دفاتر أسره، حيث تنهار المعاني اليومية، وتتفكك الأشياء إلى مجرد عناصر مادية، منازل فارغة، نهبٌ لا معنى له. فيتكشف المشهد في “نهاية المعنى ذاته”، حيث يظهر الوجود في عريه المكشوف كوجود غير ذي معنى(6). وقد استلهم ليفيناس هذا المفهوم بشكل كبير من تجربة المحرقة، حيث كشفت له عن الكابوس المتمثل في “فاشية الوجود” التي تبتلع كل المعاني الفردية.
في مواجهة هذا الفقدان، تحاول الذات، تأسيس نفسها كموضوع واعٍ قادر على التمثيل والتمييز، هروبًا من غمرة الوجود المجهول(7). إلا أن هذا الهروب يبقى جزئيًا؛ فالـ “إيل يا” لا يختفي، إذ يعود بطريقة مقنعة في صميم العقلانية ذاتها، متجليًا في التحيز، والرتابة، وانعدام المعنى. هنا يكمن التشخيص الليفيناسي العميق، حيث لا تستطيع العقلانية والتمثيل المعرفي، كأداتان من صنع العقل البشري للهروب من اللامعنى، من إنتاج معنى حقيقي، بل تكرران إخفاق الوجود في أن يكون ذا معنى(8).
هكذا، يكشف ليفيناس عن أن فقدان المعنى ما هو إلا نتيجة بنيوية لطريقة علاقتنا بالوجود والعالم. فالعقلانية الغربية، التي تختزل كل ما هو خارجي إلى موضوع للمعرفة والتملك، تفقد الأشياء والكائنات استقلاليتها وتفردها، وتجعل كل شيء أداة في يد الأنا المتعطشة للسيطرة والفهم. في هذا السياق، يصبح العالم مجرد مرآة للذات، وتفقد العلاقات الإنسانية عمقها، لتتحول إلى علاقات نفعية أو استهلاكية، حيث يصبح الآخر موضوعًا للمعرفة أو المنفعة أو الهيمنة، بدلًا من أن يكون مصدرًا للمعنى والمسؤولية (9).

3-نقد مركزية الذات – حيث يضيع المعنى
يكمن العمق الفلسفي لفقدان المعنى عند ليفيناس في تشخيصه لخطأ جذري ارتكبته الفلسفة الغربية منذ أصولها، إذ جعلت الذات مركز الكون ومصدر كل معنى. ففي سياق هذا التمركز حول الأنا، يختزل كل ما هو خارجي إلى مجرد موضوع للمعرفة والتملك والاستهلاك. وعندما ينظر إلى العالم من زاوية الذات فقط، يتحول كل وجود إلى وسيلة لغاياتها، وتفقد الأشياء والكائنات استقلاليتها وتفردها. فيكمن المأزق في البحث عن المعنى في حدود الأنا الذي لا يؤدي إلا للعدم، لأن الأنا، بمفردها، هي كيان مغلق وناقص، يستهلك المعاني بدلًا من أن يولدها (10).
لذلك، فإن “فقدان المعنى” الحقيقي، في فلسفة ليفيناس، ليس مجرد شعور بالفراغ الوجودي، وإنما نتيجة حتمية لنظرة أنانية تحصر المعنى داخل الذات. فالمعنى، بما هو انفتاح وتجاوز، لا يمكن أن ينشأ في العزلة. هو حدث علائقي يولد في الفجوة بين الأنا والآخر. يبدأ المعنى الحقيقي عندما ننفصل عن مركزية الذات، عندما نتوقف عن سؤال “ماذا يعني هذا لي؟” ونسأل “ماذا يتطلب مني الآخر؟ (11) وهكذا، يقلب ليفيناس المقولة الشائعة التي ترى بأن فقدان المعنى هو غياب المعنى في العالم، ويعتبره نتيجة الإصرار على البحث عنه في المكان الخطأ، أي في الذات وحدها.
كما يذهب ليفيناس إلى أبعد من ذلك في نقد الفلسفة الغربية، معتبرًا أن فلسفة “الهوية” التي تهيمن على تاريخ الفلسفة، حيث تفقد الأشياء والآخرون خصوصيتهم واختلافهم ليصبحوا جزءًا من كل قابل للتمثل والمعرفة، هي شكل من أشكال العنف الفكري (12). هذا هو أصل “فقدان المعنى” فالمعرفة التي تقلل الآخر إلى ذاتها هي معرفة تجرد العالم من غناه وتنوعه وتفرده، وتحكم عليه بالجمود والرتابة. فيتطلب المعنى، في جوهره، الاعتراف بالآخر ككيان مختلف ومستقل، وليس كامتداد للذات أو كموضوع يمكن السيطرة عليه (13).

4-الآخر وتأسيس المعنى الأخلاقي
لا يمكن أن ينبع المعنى في فلسفة ليفيناس من الذات أو من قدراتها المعرفية؛ فهذه، في جوهرها، أنانية وتشييئية تحاول اختزال الآخر إلى “نفسها “(le Même)، أي إلى ما يمكن تمثيله ضمن نظامها الكلي. غير أن المأزق يكسر بتدخل عنصر لا يمكن احتواؤه ولا تمثيله هو “الآخر “(l’Autre)، الفقير، المحتاج، الحزين، الذي لا يتسع له النظام العقلاني المرتب. في مواجهة “وجه” الآخر، يتعرض نظام الذات للاهتزاز. لأن وجه الآخر ليس شكلًا فيزيائيًا، إنه “ظهور” أو “وحي” لآخرية لا تختزل، يتجاوز أي صورة أو مفهوم، ويكشف عن قصر المعرفة وهيمنتها. يقول ليفيناس إن أفضل طريقة لمواجهة الآخر هي “ألا نلاحظ حتى لون عينيه” (14)، فالوجه يتحدث، إنه أمر أخلاقي يسبق أي مدرك حسي.
هذا الظهور، الذي وصفه ليفيناس بأنه “صورة الأثير”، حيث ينبعث فيه المعنى من جديد. ففي أمر الآخر الصامت “لا تقتل” (15)، وفي ندائه الفقير الذي يحرك المسؤولية، يجد المعنى تأسيسًا جديدًا، ليس في الوجود أو الماهية، ولكن في الأخلاق. إذن لا يبنى المعنى بالمعرفة، وإنما يعاش في المسؤولية تجاه الآخر، وهذه المسؤولية غير متماثلة، وأحادية الاتجاه؛ أنا مسؤول عن الآخر حتى عن مسؤوليته، دون انتظار المقابل (16). هكذا يتجلى ما أسماه ليفيناس بـ “فائض اللامعنى على المعنى” كشرط لإمكان المعنى الأخلاقي. فخطر المعاناة عبثًا، و”المعاناة من أجل لا شيء”، هو ما يمنح المسؤولية بعدها الأخلاقي الخالص، ويمنعها من التحول إلى أنانية أو حساب.
هكذا يصبح السؤال الليفيناسي “لمن أنا مسؤول؟”. لذلك لا يعني فقدان المعنى بالضرورة غياب الأهداف أو المشاريع أو النجاح الشخصي، وإنما قبل كل شيء هو انقطاع العلاقة الأخلاقية التي تؤسس لوجود الإنسان. فالمعنى عند ليفيناس هو حدث أخلاقي يقتحم الذات ويستدعيها إلى مسؤولية لا تستطيع التنصل منها (17). لأن الذات الليفيناسية ليست ذاتًا مكتفية بنفسها، هي ذات تُستدعى باستمرار من قبل وجه الآخر. ووجه الآخر هنا ما هو إلا حضور أخلاقي يقول للذات “لا تقتل”، ويدعوها إلى تحمل مسؤولية سابقة على كل اختيار واعٍ منها. ومن هنا تصبح المسؤولية الأخلاقية ليست نتيجة للحرية، وإنما شرطًا سابقًا لها (18).

5-الإيتيقا بوصفها فلسفة أولى واستعادة للمعنى
في هذا السياق، تبرز الإيتيقا بوصفها إمكانًا حقيقيًا لاستعادة المعنى. فهي ليست فرعًا من فروع الفلسفة، وليست مجموعة من القواعد والمعايير التي تنظّم السلوك الإنساني، هي الفلسفة الأولى التي تؤسس لكل علاقة ممكنة مع العالم (19). قبل أن أفكر، أنا مسؤول، وقبل أن أختار، أنا مدعو إلى الاستجابة لنداء الآخر. فلا تتحقق إعادة المعنى إلى الوجود الإنساني، وفق هذا التصور، بإضافة المزيد من المشاريع أو الإنجازات الشخصية، وإنما بإعادة اكتشاف البعد الأخلاقي للإنسان. فيعاش المعنى في لحظة الاستجابة للآخر. ولذلك لا يجد الإنسان معنى حياته عندما يسأل ماذا أريد من العالم؟ ولكن عندما يسأل ماذا يريد الآخر مني؟ (20)
وإذا كان يبحث الإنسان المعاصر عن المعنى في النجاح المهني أو الاعتراف الاجتماعي أو الوفرة المادية، فإن الإيتيقا الليفيناسية تقترح مسارًا مختلفًا؛ إذ ينتقل مركز الثقل الفلسفي من “الأنا أفكر” إلى “الأنا المسؤولة”. هنا يصبح معنى الوجود في علاقتنا بالآخرين، لأن فقدان المعنى في هذا السياق ليس موتاً للمعنى، وإنما اغترابًا عنه. إذ يختفي المعنى من العالم عندما يغيب عنا الطريق المؤدية إليه. وعندما تتحول الذات إلى غاية نهائية لذاتها، فإنها تفقد ذلك الفيض الأخلاقي الذي يمنح وجودها دلالته. أما حين تنفتح على الآخر وتستجيب لمسؤوليته اللامتناهية، فإنها تستعيد المعنى بوصفه علاقة وليست امتلاكًا. (21)
ولعل أهم ما تقدمه فلسفة ليفيناس لإنسان اليوم هو هذا التحول الجذري في السؤال الفلسفي نفسه. فبدل أن نسأل كيف أجعل حياتي ذات معنى؟ ربما ينبغي أن نسأل كيف أصبح جديرًا بالمسؤولية تجاه الآخر؟ فهناك يولد المعنى من جديد، في تلك المسافة الأخلاقية التي تفصل بين الذات وأنانيتها. بهذا المعنى، تصبح الإيتيقا شرطًا لإمكانية المعنى منذ البداية. فحيث يوجد الآخر توجد المسؤولية، وحيث توجد المسؤولية يولد المعنى، وحيث يولد المعنى يستعيد الإنسان إنسانيته.

6-آخرية الآخر في العصر الرقمي – راهنية الليفيناسية
تكتسب فلسفة ليفيناس راهنية قصوى في زمننا الرقمي، حيث تتفاقم أزمة المعنى بفعل آليات جديدة للتفريغ. ففي عصر الثورة الرقمية، نعيش مفارقة عجيبة، فمن جهة، نتواصل أكثر من أي وقت مضى، ومن جهة أخرى، يغدو الآخر مجرد “بيانات” أو “مستخدم” أو “بكسل”(pixel) في شاشة، قابلًا للاستهلاك والتجاهل والإلغاء بضغطة زر. لقد حولت الخوارزميات العلاقات الإنسانية إلى تفاعلات سطحية، وأصبحت وسائل التواصل تعكس الذات لا الآخر، مكرّسة نرجسية جماعية تحوّل العالم إلى مرآة للأنا. في هذا السياق، يصبح مفهوم الآخرية (Altérité) الليفيناسي أشبه بمنقذ. إذ يدعونا إلى استعادة المعنى من خلال مقاومة هذا الاستغراق الرقمي، والعودة إلى اللقاء الحي مع الوجه الإنساني الفريد الذي لا يُختزل، والذي يحررنا من عبودية الشاشات ويعيد للوجود عمقه الأخلاقي، مؤكدًا أن المعنى الحقيقي لا يصنع في فراغ افتراضي، ولكن يولد في لحظة المواجهة المسؤولة مع الآخر (22).
فتفوق الآخرية عند ليفيناس وتسمو، حيث يكشف “وجه” الآخر عن هشاشته وأمره الأخلاقي المطلق “لا تقتل”، وندائه الصامت للمسؤولية. هكذا، يصبح المعنى مرادفًا للمسؤولية اللامتناهية تجاه الآخر، مسؤولية لا تنتظر المقابل، ولا تخضع لمنطق التبادل أو الحساب. في زمن أصبح فيه التواصل رقمًا، والبشر بيانات، والشاشات بديلاً عن الوجوه، يذكرنا ليفيناس بأن المعنى لا يمكن أن ينبثق من العقلانية الأداتية أو من النرجسية الجماعية، ولكن من مواجهة الآخر ككيان لا يمكن اختزاله، يتجاوز كل تصور وتمثيل (23).
فتقدم فلسفة ليفيناس ثورة إيتيقية حقيقية من خلال مفهوم الآخرية، لأن المعنى في منظوره، لا ينبثق من الذات المنغلقة على نفسها، ولا من العقلانية الكلية التي تذيب الغير في ذاتها، بل من مواجهة “الآخر” ككيان لا يمكن اختزاله. كما تدعونا الإيتيقا الليفيناسية، في عمقها، إلى استعادة المعنى من خلال مقاومة الاستغراق الرقمي، والعودة إلى اللقاء الحي مع الوجه الإنساني الفريد الذي لا يُختزل. فلا يصنع المعنى الحقيقي في فراغ افتراضي، وإنما يولد في لحظة المواجهة المسؤولة مع الآخر، حيث نكتشف أن وجودنا مشروط بمسؤوليتنا تجاه من ليس أنا.

7-النتائج
في النهاية، يقدم ليفيناس تشخيصًا عميقًا لفقدان المعنى في عصرنا، ويقترح مسارًا مختلفًا تمامًا لاستعادته. ففي النتائج التي يمكن اختصارها بهذا البحث أن:
• فقدان المعنى في فلسفته هو الهوة التي تتكشف عند انهيار العقلانية التمثيلية التي تستعبد الآخر وتشيء العالم.
• يفضح هذا الفقدان زيف ادعاء الوجود بأنه مكتفٍ بذاته.
• يمثل وجه الآخر المحتاج والآمر طفرة نوعية في مقابل عجز العقلانية عن رد هذا اللامعنى.
• يؤسس المعنى الحقيقي في لحظة المواجهة الأخلاقية، حيث تصبح مسؤوليتي تجاه الآخر هي أصل كل معنى، والطريق الوحيد لتجاوز العدمية الكامنة في كيان مجرد ومحايد.
• تكون الإيتيقا في عمقها الليفيناسي فلسفة أولى، وشرطًا أساسيًا لأي معنى يستحق أن يعاش.
• المعنى ليس ملكية ذاتية، ولا نتاجًا عقليًا، ولا سلعة رقمية يمكن استهلاكها. المعنى حدث أخلاقي يحدث بيني وبين الآخر، في تلك اللحظة التي أدرك فيها أن وجودي مشروط بمسؤوليتي تجاه من ليس أنا.
• في عصر يبحث فيه الإنسان عن المعنى في النجاح المهني، والاعتراف الاجتماعي، والوفرة المادية، وفي عصر تتحول فيه العلاقات الإنسانية إلى تفاعلات سطحية واستهلاكية، تذكرنا فلسفة ليفيناس بأن المعنى الحقيقي يوجد في الانفتاح على الآخر، وفي تحمل المسؤولية تجاهه.
• فقدان المعنى ما هو إلا نتيجة للبحث عنه في المكان الخطأ، أي في الذات وحدها. والمعنى، كما يراه ليفيناس، ليس ما نملكه، بل ما نعطى إياه في لحظة الانكشاف على الآخر، حين نخرج من سجن الأنا لندخل إلى فضاء المسؤولية اللانهائية
• يظل درس ليفيناس الأكبر في أن المعنى الحقيقي للحياة لا يُكتشف في العزلة، بل يولد في العلاقة، وأن الإنسانية لا تتحقق في التمركز حول الذات، بل في التجاوز نحو الآخر.

8- المقترحات
بناءً على ما تقدم، تقترح هذه الدراسة معالجة عدد من المسائل التي لم تتسع لها مساحة البحث، ويمكن أن تشكل محاور لدراسات مستقبلية أهمها:
• إجراء دراسة مقارنة بين مفهوم المسؤولية عند ليفيناس ومفهوم المسؤولية في الفلسفة الأخلاقية عند إيمانويل كانط.
• تحليل تداعيات فلسفة ليفيناس على نظرية حقوق الإنسان، وكيف يمكن أن تؤسس الأخلاقية الغيرية لأخلاقيات عالمية جديدة.
• دراسة تطبيقية لفلسفة ليفيناس في مجالات التربية والتعليم، وكيف يمكن لمواجهة الآخر أن تحدث تحولاً في العملية التربوية.
• البحث في إمكانية تقديم قراءة ليفيناسية للإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، وتحديد معايير أخلاقية للتفاعل الرقمي.
• استكشاف العلاقة بين مفهوم “الآخر” عند ليفيناس ومفهوم “الغريب” في علم الاجتماع الحديث، خصوصًا في سياق الهجرة واللجوء.

المراجع
1.نيتشه، فريدريك. إنسان مفرط في إنسانيته. ترجمة فليكس فارس. دار التنوير، بيروت، 2014.
2.كامو، ألبير. أسطورة سيزيف. ترجمة سامي الدروبي. دار العلم للملايين، بيروت، 2016.
3.سارتر، جان بول. الوجودية إنسانية. ترجمة عثمان أمين. دار المعارف، القاهرة، 2001.
4.ليفيناس، إيمانويل. الكلية واللامتناهي. ترجمة محمد الناجي. دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1994.
5.ليفيناس، إيمانويل. الوجود والآخر. ترجمة د. سليمان العطار. دار المنهل، بيروت، 2005، ص 67.
6.ليفيناس، إيمانويل. من الوجود إلى الآخر. ترجمة د. نادر الحاج. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1998، ص 45.

7.Levinas, E. Existence and Existents. Translated by Alphonso Lingis. Kluwer Academic Publishers, Dordrecht, 1995, p. 52.
8.Bernasconi, R., & Critchley, S. (Eds.). Re-Reading Levinas. Indiana University Press, Bloomington, 1991, p. 22.

9.ليفيناس، إيمانويل. الكلية واللامتناهي. مرجع سابق، ص 82.

10.Hand, S. (Ed.). The Levinas Reader. Basil Blackwell, Oxford, 1989, p. 30.

11.ليفيناس، إيمانويل. من الوجود إلى الآخر. مرجع سابق، ص 112.

12.Derrida, J. “Violence and Metaphysics”. In Writing and Difference. Translated by Alan Bass. University of Chicago Press, Chicago, 1978, p. 97.
13.Cohen, R. A. (Ed.). Face to Face with Levinas. State University of New York Press, Albany, 1986, p. 56.

14.ليفيناس، إيمانويل. الكلية واللامتناهي. مرجع سابق، ص 103.
15.ليفيناس، إيمانويل. بيننا. ترجمة د. نظير جاهل. دار الطليعة، بيروت، 2001، ص 77.
16.ليفيناس، إيمانويل. من الوجود إلى الآخر. مرجع سابق، ص 156.

17.Critchley, S. The Ethics of Deconstruction: Derrida and Levinas. Edinburgh University Press, Edinburgh, 1999, p. 88.

18.ليفيناس، إيمانويل. الكلية واللامتناهي. مرجع سابق، ص 119.
19.ليفيناس، إيمانويل. الإيتيقا واللامتناهي. ترجمة د. جورج كتورة. دار عويدات، بيروت، 2002، ص 34.
20.ليفيناس، إيمانويل. بيننا. مرجع سابق، ص 90.

21.Davis, C. Levinas: An Introduction. Polity Press, Cambridge, 1996, p. 64.

22.ليفيناس، إيمانويل. الكلية واللامتناهي. مرجع سابق، ص 201.

23.Peperzak, A. To the Other: An Introduction to the Philosophy of Emmanuel Levinas. Purdue University Press, West Lafayette, 1993, p. 78.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الدكتور يوسف أيوب – باحث وأكاديمي متخصص في الفلسفة المعاصرة، حاصل على الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة الللبنانية. تهتم أبحاثه بفلسفة الأخلاق، والفلسفة الوجودية، والفكر النقدي المعاصر. له عدة أبحاث ودراسات منشورة في مجلات محكمة، ويساهم بانتظام في المؤتمرات الفلسفية العربية والدولية.

جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً

مجتمع وثقافة Tags:إيمانويل ليفيناس, الآخر, الإيتيقا, العصر الرقمي, الفلسفة, المسؤولية, الوجودية, فقدان المعنى, ليفيناس, يوسف أيوب

تصفّح المقالات

Previous Post: التنافس الروسي-الغربي في الفضاء
Next Post: الوطن العربي بين الحرب والسلام: أزماتٌ خانقة وبصيص أمل!
  • أمريكا والحروب المقبلة: حين تنسحب الجيوش وتبقى الحرائق
  • تفكيك الأزمة.. إعادة هندسة الأمان والاستقرار
  • اليمن والمشروع التفكيكي الكبير: قراءة استشرافية لكيفية تحويل الحرب الداخلية إلى مسرح لإعادة رسم خريطة المنطقة (آفاق 2026)
  • محنة الوجود: جدلية الثابت والمتغير من الفرد إلى المجتمع في زمن التقنية
  • فلسفة المقاومة

Z آصف ملحم أفريقيا أوروبا أوكرانيا إسرائيل إيران الاتحاد السوفيتي الاحتلال الإسرائيلي التعليم الثقافة الجزائر السياسة الصين العراق العملية العسكرية الروسية الخاصة الغرب القدس المسجد الأقصى الناتو الولايات المتحدة الأمريكية اليمن بشار مرشد بوتين ترامب تركيا ثروت زيد الكيلاني روسيا زيلينسكي سفيان حشيفة سورية عباس الزيدي عبدالله العبادي علي ابراهيم غزة فرنسا فلسطين قطاع غزة لبنان محمد عياش مصر مصطفى اللداوي مصطفى يوسف اللداوي نجم الدليمي يونس الديدي

مركز JSM للأبحاث والدراسات
جميع الحقوق محفوظة 2026
روسيا الاتحادية، موسكو

Powered by PressBook WordPress theme