بقلم الأستاذ عبد الرحمن غزالة*
المقدمة
بعد الحرب العالمية الأولى واجهت الدول المنهزمة في الحرب أو الدول التي كانت ضمن محور الحلفاء، ولكن لم تظفر بالكثير، ظاهرة لم يسبق لها مثيل، ظاهرة لم ولن تُرَ من قبل: صعود اليمين المتطرف في عدد من الدول، حيث لعب على الروح والعنجهية القومية والعصبية كذلك، وعلى فكرة أن شعوب هذه الدول هي الشعوب المختارة. فهتلر مثلاً يرى أن الجنس الآري هو أفضل الأجناس وأرقاها، وأنه الذي يحمل مشعل الحضارة، وأن الشعوب السلافية التي تتمتع بخيرات أوروبا الشرقية ما هم إلا عبيد، وأن الشعب الألماني هو الشعب المختار الذي سيُخرجهم من الحياة البربرية التي يعيشونها.
موسوليني مثلاً لعب على أمجاد روما القديمة، وأسس حركة القمصان السوداء والحزب الفاشي والحركة الفاشية. وعلى الرغم من أن إيطاليا انضمت للحلفاء مع نهاية الحرب العالمية الأولى إلا أنها لم تظفر بالكثير عند اقتسام غنائم هذه الحرب، فكان رد الفعل من اليمين المتطرف والشعب الإيطالي الغاضب أنهم حاصروا قصر الملك وأجبروه على تعيين موسوليني رئيساً للوزراء.
اليابان كانت في صف الحلفاء، إلا أنها لم تظفر بالكثير، وهذا جعلها تتوسع في منشوريا شيئاً فشيئاً بدون أي توافقات مع القوى الأخرى، مع زيادة العنجهية وترسخ عقيدة الشينتوية عند المقاتل الياباني، وكذلك نظرة اليابانيين لأنفسهم بأن أرضهم هي الأرض المقدسة وأنهم الجنس الأنقى.
أسباب صعود اليمين المتطرف في هذه الفترة:
1.الظروف المعيشية المتدهورة: فحكومة فايمار مثال على ذلك، إذ بسبب التعويضات عن الحرب العالمية الأولى قامت بطباعة مزيد من النقود، مما أدى إلى حدوث تضخم أودى بالنهاية إلى انهيار المارك الألماني (العملة الألمانية وقتها). ومن ثم جاء الكساد العظيم في 1929 ليضرب الجميع بلا تفرقة.
2.الحكومات في الدول المنهزمة نفسها: كانت تعمل لصالح الدول المنتصرة لدفع التعويضات الناتجة عن الحرب العالمية الأولى، مما جعل الحكومة في حالة من الانفصال عما يدور في وجدان الشعب.
3.المعاهدات التي أنهت الحرب العالمية الأولى وتأثيرها على رؤية الشعوب لأنفسهم: ففي معاهدة فرساي ومبادئ وودرو ويلسون الخمسة عشر، قُطعت الأراضي والمناطق التي كانت خاضعة لسلطان الشعوب المنهزمة بدون أي اعتبارات تاريخية أو كيفية نظر هذه الشعوب إلى الأرض المأخوذة. كما فُتّتت الجيوش في الدول المنهزمة، مثل الجيش الألماني الذي مُنع من التسليح بالأسلحة الثقيلة كالدبابات وسلاح الجو وما إلى ذلك، كما خُفّض عدده حتى لا يزيد على 100 ألف جندي، وكانت هذه شروطاً مهينة للغاية.
4.الشعور بأن هناك فئة هي السبب في هذه النكبة، أو فئة كانت تسعى لتمديد الحرب وإنهاك الدولة، وأن هذه الفئة لا تدين بالولاء للدولة، بل لنفسها فقط: والفئة التي وقع الاختيار عليها هي يهود أوروبا.
عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية:
سقط اليمين المتطرف في أعين الكثير، فماذا تنتظر بعد حرب دمرت المدن وأصابت وقتلت الملايين؟
وفي حقيقة الأمر لم يعد اليمين المتطرف متقبلاً في وجدان الشعوب التي ذاقت ويلاته. فنجد أن دولة مثل ألمانيا ترفض حتى الإشارة إلى العصر النازي، حتى أنك إذا قمت بتحية هتلر الآن سيُلقى القبض عليك فوراً وستُساءل جنائياً.
وفي الحقيقة ليس هذا السبب الوحيد، فهناك ثلاثة أسباب أخرى:
1.الحرب الباردة: فالآن أصبح الاختلاف اختلافاً جوهرياً من حيث التنظير الأيديولوجي، وظهر معسكران، وكان على كل طرف أن يختار: الغربي أم الشرقي؟ الليبرالية أم الشيوعية؟ ولذلك كان كل طرف بحاجة إلى استقطاب الكثيرين معه، ولم يعد الخطاب العنجهِي مطلوباً، فالفائز هو من يجذب أكبر عدد.
2.ظهور دول العالم الثالث: والتي لم تكن منحازة لأي من الطرفين، لذلك كان على كل طرف أن يلبس لباس العطف والإنسانية لجذب أكبر عدد من الدول إلى معسكره.
3.الاثناءالذاتي للقوتين القطبيتين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. فالعالم لا يحتاج سوى لشخص أحمق بلهجة عنجهية ومتعالية ليدخل العالم كله في فوضى الحرب النووية التي ستكون بمثابة الهلاك للبشرية.
الوقت الحالي:
يشهد الوقت الحالي صعوداً لليمين المتطرف بقوة غير مسبوقة، والتيار الشعبوي آخذ في الازدهار. ولماذا؟ لنفس الأسباب التي ذكرناها سابقاً، ولكن بعد إعادة تدوير المسميات وإلباسها لباس العصرية من جديد.
أولاً: بعد سقوط الاتحاد السوفييتي في 1991 كتب صمويل هنتنغتون كتابه (صراع الحضارات)، وقال إنه بعد القضاء على الخطر الأحمر والأصفر يجب القضاء على الخطر الأخضر، ألا وهو نمط الحياة الإسلامي. مما أدى إلى إعادة تدوير ناحية المسلمين وظاهرة الإسلاموفوبيا. ومعها أيضاً أعيد السبب الرابع إلى الواجهة، وهو أن هناك فئة تُعتبر تعدياً على القيم التي يحملها مجتمعنا وقيم الغرب، وأن الهجرة بصفة عامة ما هي إلا مؤامرة من اليسار لتعديل التركيبة الديموغرافية والسكانية لبلادنا لكي تزداد مساحة مؤيديه.
ثانياً: الظروف الاقتصادية والأزمات الاقتصادية: ابتداءً من الأزمة الاقتصادية العالمية 2008 التي جعلت العديد من الدول تقلل من الإنفاق على الأمن والقوات الشرطية، مثل المملكة المتحدة التي قامت بتقليل أعداد قواتها الشرطية وتسريحها، وهذا يُعتبر نوعاً ما سبباً وراء السرقات المنتشرة في لندن الآن وانعدام الأمان. وكذلك قلّلت برامج الدعم الاجتماعي والتأمين الصحي والتأمين الاجتماعي. ثم جاءت أزمة كوفيد-19 لتغير نمط سوق العمل الذي أصبح أكثر تطلباً، ففُصل العديد من الموظفين والعمال. وتلتها أزمة الإسكان التي تعاني منها الدول الأوروبية مثل بريطانيا وألمانيا.
ثالثاً: المؤسسية الجامدة التي تفصل المؤسسات عن الواقع الذي يعيشه المواطنون. ففي الدول ذات الثقافة الأنجلوساكسونية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، يسيطر حزبان على الحياة الحزبية، مما جعلها لفترة طويلة في حالة من الجمود وعدم الاختلاف الجوهري في السياسات، خاصة في السياسة الخارجية. أما في الدول ذات الثقافة اللاتينية، فكانت هناك عتبة انتخابية على الأحزاب ذات التوجه الشعبوي أو الراديكالي، كما هو الحال في ألمانيا، حيث العتبة الانتخابية الآن 5%. وكانت النتيجة اتجاه أنصار ترامب لاقتحام الكونجرس في سابقة هي الأولى من نوعها، وكان ذلك مؤشراً على التغير الذي نراه الآن. حتى اليسار نفسه يشعر بذلك، وكذلك الشعوب. وهذا ما أوضحته عملية السابع من أكتوبر. ورغم الضغط الشعبي الغربي لوقف الحرب إلا أنه لا جديد يُذكر، مما أدى إلى الرد بمقتل تشارلي كيرك.
رابعاً: تراجع قوة الغرب عالمياً: صعود قوى مناوئة لنمط الحياة الغربية بشكل كبير، وأدى ذلك إلى تراجع الولايات المتحدة من سياسة الهيمنة إلى سياسة الموازنة، ومعها الدول الغربية. لذلك نرى التيارات المنادية بـ” أمريكا أولاً” وبعودة النازية، مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، وغيرها من الحركات التي تريد استعادة أمجاد الماضي.
خامساً: الآلة الإعلامية واصطياد مواقف معينة تُستخدم للدعاية ضد سياسات الهجرة والمهاجرين ولليسار بشكل عام. والخطابات المفوهة قد تكون مفرغة وبلا معنى، ويمكن الرد عليها بأدلة وبراهين قاطعة تدل على عدم مصداقيتها، لكنها تبقى الدعاية يا قوم! وفي ظل غياب الرواية أو الدعاية المضادة فالويل لمن يقع تحت مطرقة اليمين المتطرف.
ختاماً:
إن صعود اليمين المتطرف بهذا الشكل يعني بالضرورة ـ من وجهة نظري ـ أن القيم الليبرالية الغربية أصبحت في خطر، وأن صعود اليمين الراديكالي بشكله العنيف الآن سيقتضي وجود رد فعل يساري راديكالي أيضاً، وهذا ما رأيناه في حادثة اغتيال تشارلي كيرك. ومع صعود اليمين فإن العمالة الماهرة والعقول التي كانت تهاجر للغرب ستتجه فوراً إلى المنافسين: الصين وروسيا.
References
•Applebaum, A. (2012). Iron Curtain: The crushing of Eastern Europe, 1944–1956. Doubleday.
•Eichengreen, B. (1995). Golden fetters: The gold standard and the Great Depression, 1919–1939. Oxford University Press.
•Huntington, S. (1996). The clash of civilizations and the remaking of world order. Simon & Schuster.
•Judt, T. (2005). Postwar: A history of Europe since 1945. Penguin.
•Kershaw, I. (2008). Hitler: A biography. W.W. Norton.
•Krastev, I. (2017). After Europe. University of Pennsylvania Press.
•Mazower, M. (1999). Dark continent: Europe’s twentieth century. Vintage.
•Mudde, C., & Rovira Kaltwasser, C. (2017). Populism: A very short introduction. Oxford University Press.
•Norris, P., & Inglehart, R. (2019). Cultural backlash: Trump, Brexit, and authoritarian populism. Cambridge University Press.
•Paxton, R. O. (2005). The anatomy of fascism. Vintage.
•Payne, S. G. (1995). A history of fascism, 1914–1945. University of Wisconsin Press.
•Stiglitz, J. (2010). Freefall: America, free markets, and the sinking of the world economy. W.W. Norton.
•Tooze, A. (2018). Crashed: How a decade of financial crises changed the world. Viking.
•Westad, O. A. (2017). The Cold War: A world history. Basic Books.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ عبدالرحمن غزالة – كاتب وباحث سياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
