بقلم الأستاذ هشام قدري أحمد*
شهد النظام الدوَّلي، على مدار القرنين الماضيين، مُحاولاتٍ جِدّيةً من جانب القوى الكبرى المُكونة لبنيته، لفرض نوع من السيادة الإقليميَّة في مُحيطها الإقليمي وانتزاع أكبر حصة مُمكنة من القوة تُمكنها من تحقيق الهيمنة المُطلقة، ومن ثمّ الإخلال بمبدأ توازن القوى القائم لصالحها، غير أنَّ هذه السياسات التوسعيَّة التي يحفل بها السجل التاريخي الحديث للعلاقات الدوليَّة، قد جُوبهت غالبًا، بردٍّ رادع وإجراءات صارمة من قبل النظام الدوَّلي الذي ينشد ضمن أهدافه الحفاظَ على الوضع الراهن وإبقاءَه ثابتًا.
ومن جملة هذه الإجراءات التي أكّدتها الوقائع التاريخيَّة في هذا الصدد، اتجاه الأقطاب الكُبرى الأخرى الفاعلة في بنية النظام الدوَّلي، أو بعضها على الأقل، إلى تبنّي سياسة مُضادة إزاء الدولة المُهدِّدة (الرامية إلى الهيمنة)، قوامها تحشيد القوات وتعزيز القُدرات والإمكانات العسكريَّة، وتشكيل تحالفات ذات طبيعة أمنيَّة وأخرى سياسيَّة، تستهدف إعادة فرض التوازن واحتواء الدولة المُستهدفة، وربما تدميرها.
ويرصد جون ميرشايمر Mearsheimer John، وهو أحد أبرز المُنظّرين المُنتمين إلى تيار الواقعيَّة الجديدة، في كتابه المهم «مأساة سياسة القوى العُظمى» الذي نُشر في مُستهلّ القرن الحادي والعشرين، أهم الحالات التي تضمَّنت سعي القوى العُظمى إلى فرض هيمنتها الإقليميَّة بالقوة خلال القرنين الفائتين (القرنِ التاسعِ عشر والعشرين) وكيف اصطدمت هذه المساعي التوسعيَّة، تحت تأثير حتمية المواجهة، بتحالفات النظام الدوَّلي ضدها، مما أدَّى في النهاية إلى لجمها وسحقها. ونعرض فيما يلي بإيجاز لهذه الحالات:
الحالة الأولى: فرنسا الثوريَّة والنابليونيَّة بين عامي (1793- 1815)، فبعد أن تمكَّنت فرنسا، التي أسبغت عليها الثورة قدرًا كبيرًا من القوة، من بناء إمبراطورية مترامية الأطراف ضمَّت معظم الأقطار الأوروبيَّة، تعرّضت قواتها أخيرًا للهزيمة على يد التحالف الأوروبي السادس عام 1814 ثم التحالف السابع عام 1815، لتفقد مكانتها كقوة كامنة.
الحالة الثانية: ألمانيا الفيلهلمية (1890 1918)، وقد تمّ دحرها خلال الحرب العالميَّة الأولى أمام دول الوفاق وتجريدها من مُستعمراتها، بل واقتطاع أجزاء كبيرة من أراضيها وإلحاقها بدول أخرى.
الحالة الثالثة: ألمانيا النازيَّة (1933- 1945)، كانت توسعاتها الإقليميَّة سببًا رئيسًا في نشوب الحرب العالميَّة الثانية، لكنها مُنيت بهزيمة نكراء بنهاية الحرب، قامت على إثرها الدول المُنتصرة (دول الحلفاء) بتقسيم أراضيها إلى شطرين هما ألمانيا الشرقيَّة وألمانيا الغربيَّة.
الحالة الرابعة: اليابان الإمبراطوريَّة (1931- 1945)، حاولت اليابان توسيع حدود إمبراطوريتها في الشرق الأقصى ومنطقة المُحيط الهادئ، إلا أنَّ طموحاتها الإقليميَّة اصطدمت بمصالح الولايات المُتحدة الأمريكيَّة، فانخرطت الدولتان في صراع مفتوح انتهى بقصف الجزر اليابانيَّة بالقنبلة النووية مع نهاية الحرب العالميَّة الثانية ووقوعها في قبضة الاحتلال الأمريكي.
الحالة الأخيرة: الاتحاد السوفيتي (1918- 1990)، نجح الاتحاد السوفيتي في إقامة دولة مُترامية الأطراف، تشكَّلت حدودها نتيجة سياسات السوفييت التوسعيَّة في آسيا الوسطى وشرق أوروبا، لكنه خسر سباق الحرب الباردة بنهاية المطاف أمام المعسكر الغربي بقيادة الولايات المُتحدة، مما أدَّى إلى تصدعه وانفراط عقده.
ولا يفوتني هُنا أن أُعرِّج إلى نقطتين، في ضوء الطرح السابق، مؤدّاهما كالتالي:
أولاً، إنَّ الولايات المُتحدة الأمريكيَّة وأيضًا بريطانيا العُظمى لم تُحاول أيٌّ منهما، بوصفهما قوتين عُظميين، التوسع إقليميًّا باستخدام القوة الصلبة، على الرغم من حيازتهما أدوات الهيمنة الاقتصاديَّة والعسكريَّة اللازمة لتحقيق ذلك في فترات تاريخيَّة مُتباينة (بريطانيا في القرن التاسع عشر، والولايات المُتحدة في القرن العشرين)، وهو ما يُفسر، حتى الآن، عدم تصادمهما بالنظام الدوَّلي.
ثانيًا، يقع عبء مواجهة الدولة الساعية للهيمنة والإخلال بمبدأ توازن القوى، كما أسلفنا، على عاتق النظام الدوَّلي، ولا نعني بالنظام هُنا الدولة العُظمى أو قائد هذا النظام، بل نقصد بذلك كافة الأقطاب الكُبرى التي تتألف منها بنية النظام الدوَّلي. وتفسير ذلك أنَّه ليس بمقدور أي دولة، مهما بلغت قوتها الكامنة، اقتصاديًّا وعسكريَّا، أنْ تتحرك بمفردها في اتجاه احتواء القوة الصاعدة والمُهدِدة لها، لأن هذا السُلوك يُمكن أنْ يجرّها إلى مواجهة مباشرة وغير مضمونة النتائج مع الدولة الصاعدة، بالإضافة إلى أنَّ تكلفة هذه الخُطوة ستكون باهظةً للغاية.
ويعتقد ميرشايمر أنه بالإمكان التثبت من صحة تلك الادعاءات بالرجوع إلى الحالات الخمس سالفة الذكر (فرنسا الثوريَّة، ألمانيا القيصرية، ألمانيا النازيَّة، الإمبراطورية اليابانية، الاتحاد السوفيتي)، إذ لم يحدث أن تحملت دولة أو قوة واحدة بمفردها عبء مواجهة أي من هذه القوى الصاعدة وردعها، بل إنَّ القوى العُظمى كلها، تقريبًا، تجاوبت مع هذا التهديد، بشكل أو بآخر وبجهود متفاوتة، من خلال تحشيد قواتها وإقامة تحالفات لفرض التوازن على الدولة المُهدِّدة.
وهذا الأمر يدفع إلى نتيجةٍ واضحة، مؤدّاها أنَّ الولايات المُتحدة، بوصفها قائدًا للنظام الدوَّلي، لا يسعها احتواء الصين أو ردعها دون أنْ تمد لها القوى الكُبرى الأخرى في النظام الدوَّلي يد المُساعدة، ولاسيَّما القوى المُجاورة التي تنظر إلى مُحاولات الصين لتحقيق الهيمنة الإقليميَّة بوصفها تهديدًا مُباشرًا لها، مثل اليابان، كوريا الجنوبية، والهند. من ناحية أخرى، يجدر بنا أن نتساءل عن الاستراتيجية التي ستنحو باتجاهها الدولة الصينيَّة اليوم بوصفها قوةً صاعدة؛ هل ستختار الحفاظ على توازن القوى القائم واحترام مصالح القوى المُجاورة، أم ستلجأ إلى استخدام القوة لفرض هيمنة إقليميَّة ستجرذها حتمًا إلى صدام مباشر بالنظام الدوَّلي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ هشام قدري أحمد – كاتب وباحث في العلوم السياسيَّة.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
