بقلم الأستاذ عبد الرحمن غزالة*
المقدمة
لا يوجد فرق بين الحزبين الكبيرين سوى اللاصقة.
هذه عبارة قالها لنا أستاذنا الدكتور أحمد وهبان عندما شرح الحزبين المهيمنين على الحياة السياسية الأمريكية. قصده كان أن الفارق الأيديولوجي بينهما ليس جوهريًا، بل يكمن فقط في البرامج التي يسعى كل حزب من خلالها لتحقيق هذه الأيديولوجية.
الفيل الجمهوري
الاختلاف ليس جوهريًا بين الفيل والحمار، إلا أن الفيل يؤمن بضرورة السماح بتوسع أكبر لتراكم رؤوس الأموال، خفض الضرائب، تقليص برامج الرعاية الاجتماعية، الحفاظ على الحق في حيازة السلاح، والتعبير عن مصالح البيض بشكل أقوى.
أما في السياسة الخارجية، فيُعتبر الفيل المعقل الأساسي لـ “الصقور” وأنصار استخدام القوة في العلاقات الدولية. لذلك ليس مستغربًا أن حرب فيتنام كانت في عهد نيكسون، وأن حربي أفغانستان والعراق 2003 كانتا بقيادة جورج بوش الابن — تحت راية الفيل الجمهوري.
الحمار الديمقراطي
أما الحمار، فهو يؤيد الدعم الاجتماعي، التوزيع الأكثر عدالة للدخل، وحقوق الأقليات. وهو أيضًا معقل “الحمائم” الذين يميلون إلى تفضيل الدبلوماسية على التدخل العسكري. على سبيل المثال، باراك أوباما سعى لإنهاء الحروب بشكل أوضح.
ومع ذلك، تميزت السياسة الأمريكية بالاستقرار، لأن النظام الأمريكي كان يتمتع بمؤسسات قوية تمنع أو تقيد أي رئيس من المساس بالمصالح الأساسية للشعب الأمريكي أو الولايات المتحدة نفسها.
الاستقرار المؤسسي والسخط الشعبي
في الوقت نفسه، كان المجتمع الأمريكي يبدأ بالتغير. فقد شعر قطاع واسع من الشعب أن الحكم في أمريكا أصبح جامدًا — أولًا بمعنى الجمود، وثانيًا بمعنى النخبوية. فلم يعد من الممكن لشخص بلا خبرة سياسية سابقة أو انتماء حزبي أن يحشد أو حتى يحلم بالفوز بالانتخابات. لقد أصبح الحزبان الجمهوري والديمقراطي حارسي بوابة السياسة الأمريكية.
هذا خلق حاجة إلى الراديكالية، والتي ظهرت أولًا في الحزب الجمهوري على هيئة تيار الشعبوية أو حركة “أمريكا أولًا” بقيادة دونالد ترامب.
الصعود الأول لترامب
في الحقيقة، خلال الانتخابات التمهيدية في أولى جولاته، لم يتوقع أحد فوزه بترشيح الحزب الجمهوري، ناهيك عن فوزه في الانتخابات العامة أمام هيلاري كلينتون. ورغم فوز كلينتون بالأصوات الشعبية، إلا أن ترامب تفوق بفضل المجمع الانتخابي، ودخل البيت الأبيض.
ومع ذلك، تمكنت البنية المؤسسية الأمريكية من استيعابه جزئيًا خلال فترته الأولى. فقد كان مستشاروه، رغم ولائهم، سياسيين جمهوريين مخضرمين كبحوا جماحه. كما كان الكونغرس ذا أغلبية ديمقراطية، مما خلق لعبة القط والفأر مع الرئيس. كذلك قاومت البيروقراطية الفيدرالية العديد من أوامره التنفيذية. هذه البيروقراطية، التي يطلق عليها أحيانًا “الدولة العميقة”، تضم موظفين مهنيين غير منتمين لأي حزب، ومهمتهم تصحيح الانحرافات السياسية.
انتخابات 2020 وعهد بايدن
في انتخابات 2020، ضَمِن الديمقراطيون فوزًا سهلًا، بعدما فشل ترامب في التعامل مع أزمة كورونا، ومقتل جورج فلويد، وصعود حركة Black Lives Matter. كانت الاحتجاجات الواسعة مؤشرًا على عودة الديمقراطيين وصعود تيار اجتماعي جديد.
وعندما فاز جو بايدن، ادعى ترامب أن الانتخابات سُرقت، وحرض أنصاره على اقتحام الكونغرس — في سابقة تاريخية لا يزال يُحاكم عليها حتى الآن. ومن وجهة نظري، مثل عهد بايدن محاولة من النظام المؤسسي لاستعادة توازنه والوقوف على قدميه من جديد.
عودة ترامب
في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كان تيار الشعبوية و”أمريكا أولًا” قد نما بشكل كبير، ولم يقاوم الحزب الجمهوري ترشح ترامب. والسبب بسيط: جو بايدن، بشيخوخته، يمثل المؤسسة الأمريكية — مؤسسة هرمة ومنفصلة عن الواقع وغير قادرة على مواكبة التطورات الدولية.
في الوقت نفسه، كان التيار الاجتماعي الجديد داخل الحزب الديمقراطي يصعد، مُمَثلًا بشخصيات شابة مثل كاميلا هاريس.
وُصفت هذه الانتخابات بأنها الأكثر استقطابًا في تاريخ الولايات المتحدة، مما يعكس اتساع الهوة بين اليمين واليسار. بل إن ترامب صرح على وسائل التواصل الاجتماعي أنه إذا خسر، ستندلع حرب أهلية.
عاد ترامب هذه المرة أكثر راديكالية، أكثر تطرفًا، وأكثر تهورًا إن صح التعبير. فقد أحاط نفسه بما يُعرف بـ “رجال نعم” (Yes men)، أشخاص غرباء عن السياسة الأمريكية مثل ستيف ويتكوف، المعروف بولائه الأعمى لترامب؛ وجي دي فانس، نائبه، الذي سخر علنًا من رئيس أوكرانيا معه؛ وماركو روبيو، الذي ظهر وهو يرسم صليبًا في مشهد بدا غريبًا حتى على الأمريكيين أنفسهم.
الكونغرس الجمهوري والسلطة الفيدرالية
أصبح الكونغرس الآن ذا أغلبية جمهورية، خاضعًا تمامًا لنفوذ ترامب. ولم يتبقَ سوى القضاء على البيروقراطية الفيدرالية، وهي مهمة أوكلها لماسك، الذي أنجزها بالكامل.
إلى جانب ذلك، كان تعامل ترامب مع ملف الهجرة، وتدخله في كاليفورنيا، وتهديده بتجاوز سلطات الولايات في كاليفورنيا وشيكاغو — رغم أنها اختصاصات محلية وليست فيدرالية — سببًا في اندلاع موجات مقاومة واسعة. كما أن نشره للحرس الوطني في العاصمة واشنطن وُصف بأنه أشبه باحتلال للعاصمة.
كما لاحق الطلبة الداعمين لفلسطين، مُلغيًا تأشيراتهم ومُرحلًا إياهم — في خطوة غير مسبوقة.
صعود التيار الاجتماعي في الديمقراطيين
في المقابل، برز تيار اجتماعي جديد داخل الحزب الديمقراطي، يقوده جيل شاب أكثر استعدادًا لمواجهة السلطة من أسلافه، ويتبنى سياسات غير مسبوقة — مثل دعم غزة علنًا.
وقد ظهر ذلك في انتخابات عمدة نيويورك، التي قد تأتي بأول عمدة مسلم، وهو زهران معمداني، الذي وصف ترامب بالفاشي، ودخل في صدامات حتى مع أعضاء من حزبه نفسه.
إنذار لأمريكا
لذلك، لم يكن اغتيال تشارلز كيرك أمرًا مستغربًا، بل كان رسالة بأن على المؤسسة الأمريكية أن تستفيق وتطور أساليبها. فمع اتساع الهوة يومًا بعد يوم، لن يكون الوضع جيدًا للجميع. قد تندلع حرب أهلية في بلد يتجاوز فيه عدد الأسلحة عدد السكان.
إن انتخابات التجديد النصفي القادمة لن تكون كسابقاتها — فاستعدوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذ عبدالرحمن غزالة – كاتب وباحث سياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
