بقلم الأستاذة نُسيبة شيتور*
بهدوء الواثقين، وبلغة تزاوج بين المبادئ والواقعة، وقعت الجزائر على وثيقة انضمامها الرسمي الى معاهدة الصداقة والتعاون في جنوب شرق آسيا، في مراسم احتضنتها العاصمة الماليزية كوالالمبور، بحضور وزير الشؤون الخارجية الجزائري أحمد عطاف الذي اختصر المشهد بالقول: “هذا اليوم يمثل علامة فارقة في علاقات الجزائر مع رابطة دول جنوب شرق آسيا”.
هذا الانضمام لا يمكن أن يقرأ في حدود الجغرافيا أو البروتوكول، بل في ضوء تحولات عميقة يشهدها النظام الدولي، حيث تعيد الدول النامية – كحال الجزائر- رسم خرائط علاقاتها، وتحقيق أقصى استفادة من توازنات ما بعد القطب الواحد، دون أن تفرط في ثوابتها أو تقايض مبادئها.
الجزائر وآسيان: تحالف يُبنى على التقاء الرؤى لا تقاطع المصالح فقط
في كلمته، حرص الوزير عطاف على تأطير هذا الانضمام في سياق ثلاثي الأبعاد:
أولاً-تقدير مشروع بمنظمة أثبتت قدرتها على إرساء نموذج للتكامل الإقليمي،
ثانياً-رغبة جزائرية في تجاوز العلاقات الثنائية نحو تفاعل جماعي مع كتلة صاعدة،
ثالثاً-التقاء عميق في المرجعيات، إذ أن ما تنص عليه معاهدة آسيان من مبادئ يتقاطع جوهرياً مع روح ميثاق الأمم المتحدة، ومع الثوابت السياسية التي أرستها الجزائر منذ استقلالها.
هنا، لا يتعلق الأمر بمجرد انفتاح على فضاء جغرافي جديد، بل بتموضع دقيق لجزائر تؤمن بأن الفاعلية الدبلوماسية في القرن الـ 21 لا تقاس بعدد الحلفاء، بل بعمق الشراكات، واتساقها مع خط أخلاقي واضح.
من الثنائية إلى التكتل.. الجزائر تراهن على منطق الصوت الجماعي
أحد أبلغ ما جاء في كلمة الوزير عطاف كان الإشارة إلى أن الجزائر تسعى إلى “إضافة بعد جديد الى علاقاتها الثنائية مع دول آسيان، من خلال التعاطي مع الكتلة بصوت جماعي”. وهذا التصريح لا يحمل فقط دلالة تقنية، بل رؤية استراتيجية عميقة!
في عالم تسوده التكتلات الصاعدة، وتتهاوى فيه مقولات التفوق المطلق، تبرز الحاجة إلى دبلوماسية متعددة المحاور، تدرك بأن صدى الصوت الجماعي يفوق أحياناً الخطابات الأحادية، وهنا تبدو الجزائر كمن يدرك لحظة التحول، فيتموضع لا على ضفاف الكتل، بل في قلبها.
انضمام في زمن التحديات.. حين تصبح المبادئ أداة تأثير
في المقابل، لم يخفِ الوزير قلقه من “التهميش المتزايد للأمم المتحدة وتحويل مجلس الأمن إلى هيئة عاجزة وشبه مشلولة”، وهو تصريح بالغ الدقة، يعبر عن رؤية نقدية لا تستسلم للواقع، بل تسعى إلى تغييره من الداخل، عبر شراكات بديلة، لا تقاطع النظام الدولي، بل تذكره بمبادئه المنسية.
من هنا يبدو الانضمام إلى معاهدة آسيان ليس فقط خطوة نحو الشرق، بل خطوة نحو تفعيل شراكات قائمة على احترام السيادة، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وهي ذات المبادئ التي صنعت هوية الجزائر الدولية مند برزوها كدولة داعمة لحركات التحرر، ومدافعة عن القانون الدولي.
من شراكة آسيوية إلى رؤية إفريقية-آسيوية
ليست آسيان وجهة تعاون فقط، بل كما أشار الوزير عطاف: “نموذج يلهم بحق جهوداً مماثلة في القارة الإفريقية”. وهذا البعد يضيء جانباً خفياً في هذا الانضمام: إنها محاولة جزائرية لصياغة جسر إستراتيجي بين قارتين، وبين تجربتين في التعاون الإقليمي.
نحو تموضع جديد.. لا شرقاً ولا غرباً، بل حيث تصان السيادة
بعيداً عن الانحيازات الكلاسيكية، يمثل هذا الانضمام لحظة توازن دقيقة، فليست الجزائر بصدد الاصطفاف شرقاً، ولا تجاري الغرب في معاركه السياسية، بل تبحث عن تموضع نزيه وفعال، يعيد لها صوتها السيادي، ويمنحها قدرة تأثير مضاعفة عبر واجهات جديدة، بأدوات ناعمة لا تعارض الثوابت، بل تترجمها بلغة العصر.
الجزائر.. حين تزاوج المبادئ بالبراغماتية الهادئة
التحاق الجزائر بمعاهدة آسيان ليس حدثاً عابراً في رزنامة دبلوماسية، بل جزء من سردية سياسية أوسع، تراهن فيها الجزائر على إعادة تعريف دورها الدولي بهدوء، وبلا ضجيج شعارات، إنها لحظة يتعانق فيها العمق الأخلاقي مع الذكاء الاستراتيجي، في مسار طويل نحو شراكات أوسع، موقع أكثر توازناً في عالم يعيد تشكيل نفسه.
فهل يدرك الفاعلون الدوليون أن الجزائر لا تنخرط فقط، بل تبني؟
وهل نحن أمام ملامح مدرسة دبلوماسية جزائرية جديدة، تكتبها الوقائع لا البلاغة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الأستاذة نُسيبة شيتور – باحثة في الاتصال السياسي.
جميع الآراء الواردة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي مركز JSM وإنما تعبّر عن رأي كاتبها حصراً
